العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٤٥ - ١١٣٩- خليفة بن محمود الكيلانى، يلقب نجم الدين
بعده ابنه محمد، إلى أن مات سنة تسع و خمسين و سبعمائة، على ما هو معروف عند أهل مكة.
و لعل نجم الدين خليفة المذكور، كان ينوب عن الأب و ابنه، و اللّه أعلم.
و رأيت أن أثبت هذه الحكاية التى ذكرها عنه ابن قيم الجوزية لغرابتها، على ما هى مذكورة عنه فى كتاب: «آكام المرجان فى أحكام الجان»، و نصها فيه:
«و نقلت من خط العلامة الشيخ شمس الدين أبى عبد اللّه محمد بن أبى بكر الحنبلى (رحمه اللّه تعالى)، و حدثنى به أيضا، قال: وقعت هذه الواقعة بعينها فى مكة، سنة إجراء العين بها، و أخبرنى إمام الحنابلة بمكة، و هو الذى كان إجراؤها على يده، و تولى مباشرتها بنفسه، نجم الدين خليفة بن محمود الكيلانى، قال: لما وصلنا فى الحفر، إلى موضع ذكره، خرج أحد الحفارين من تحت الحفر مصروعا لا يتكلم، فمكث كذلك طويلا، فسمعناه يقول: يا مسلمين، لا يحل لكم أن تظلمونا، قلت له أنا: و بأى شىء ظلمناكم؟ قال: نحن سكان هذه الأرض، و لا و اللّه ما فيهم مسلم غيرى، و قد تركتهم و رائى مسلسلين، و إلا كنتم لقيتم منهم شرّا. و قد أرسلونى إليكم يقولون: لا ندعكم تمرون بهذا الماء فى أرضنا، حتى تبذلوا لنا حقنا.
قلت: و ما حقكم؟ قال: تأخذون ثورا، فتزينونه بأعظم زينة، و تلبسونه و تزفونه من داخل مكة، حتى تنتهوا به إلى هنا فاذبحوه، ثم اطرحوا لنا دمه و أطرافه و رأسه، فى بئر عبد الصمد، و شأنكم بباقيه، و إلا فلا ندع الماء يجرى فى هذه الأرض أبدا.
قلت له: نعم أفعل ذلك، قال: و إذا بالرجل قد أفاق يمسح وجهه و عينيه، و يقول: لا إله إلا اللّه، أين أنا؟ قال: و قام الرجل ليس به قلبة، فذهبت إلى بيتى، فلما أصبحت و نزلت أريد المسجد، إذا برجل على الباب لا أعرفه، فقال لى: الحاج خليفة هاهنا؟
قلت: و ما تريد به؟ قال: حاجة أقولها له. قلت له: قل لى الحاجة و أنا أبلغه إياها فإنه مشغول، قال لى: قل له: إنى رأيت البارحة فى النوم ثورا عظيما، قد زينوه بأنواع الحلىّ و اللّباس، و جاءوا به يزفونه، حتى مروا به على دار خليفة، فوقفوه إلى أن خرج و رآه، و قال: نعم هو هذا، ثم أقبل به يسوقه و الناس خلفه يزفونه، حتى خرج من مكة، فذبحوه و ألقوا رأسه و أطرافه فى بئر.
قال: فعجبت من منامه، و حكيت الواقعة و المنام لأهل مكة و كبرائهم، فاشتروا ثورا و زينوه و ألبسوه، و خرجنا به نزفه، حتى انتهينا إلى موضع الحفر، فذبحناه و ألقينا رأسه و أطرافه و دمه فى البئر التى سماها، قال: و لما كنا قد وصلنا إلى ذلك الموضع، كان الماء يفور، فلا ندرى أين يذهب أصلا، و لا نرى عينا و لا أثرا.