العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٧٣ - عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى ابن كلاب الهاشمى
القرآن، لكثرة علمه. و دعا له النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، بأن يعلمه اللّه تعالى الكتاب و الحكمة و تأويل القرآن، و يفقه فى الدين، و أن يزيده فهما و علما، و يبارك فيه، و ينشر منه، و يجعله من عباده الصالحين. كل ذلك جاء فى أحاديث صحيحة مفرقة.
و روى عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، ألف حديث و ستمائة حديث و ستين حديثا. و قد روى عن جماعة من الصحابة.
و روى عنه منهم: أنس، و أبو أمامة بن سهل، و خلق من التابعين. روى له الجماعة.
قال عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود: ما رأيت أحدا أعلم من ابن عباس بما سبقه، من حديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و بقضاء أبى بكر و عمرو و عثمان رضى اللّه عنهم، و لا أفقه منه، و لا أعلم بتفسير القرآن و العربية و الشعر و الحساب و الفرائض منه، و كان يجلس يوما للتأويل، و يوما للفقه، و يوما للمغازى، و يوما للشعر، و يوما لأيام العرب، و ما رأيت قط عالما جلس إليه إلا خضع له، و لا سائلا يسأله إلا أخذ عنه علما.
و قال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس: الحلال، و الحرام، و العربية، و الأنساب. و أحسبه قال: و الشعر.
و قال عطاء: كان ناس يأتون ابن عباس فى الشعر و الأنساب، و ناس يأتون لأيام العرب و وقائعها، و ناس يأتون للعلم و الفقه. فما منهم صنف إلا يقبل عليه بما شاء.
و قال: ما رأيت القمر ليلة أربع عشرة، إلا ذكرت وجه ابن عباس.
و كان يثنى عليه و يقربه و يشاوره مع جلة الصحابة، و أثنى عليه ابن مسعود و معاوية و غيرهم من الصحابة و التابعين، و مناقبه كثيرة.
و ذكر ابن عبد البر أنه شهد مع على رضى اللّه عنه: الجمل و صفين و النهروان.
و ذكر النووى أن علىّ بن أبى طالب أمره على البصرة، ثم فارقها بعد قتله، و عاد إلى الحجاز.
و ذكر غيره: أنه تحول إلى مكة، و أقام بها إلى أن أخرجه ابن الزبير، لتوقفه عن مبايعته. فسكن الطائف حتى مات به، فى سنة ثمان و ستين، عن سبعين سنة. و هذا هو الصحيح فى وفاته و سنه، و صلى عليه محمد ابن الحنفية، و قال: مات اليوم ربان هذه الأمة. و لما وضع ليصلى عليه، جاء طائر أبيض فوقع على أكفانه، فدخل فيه، فالتمس، فلم يوجد. فلما سوى عليه التراب، سمعوا صوت قارئ لا يرون شخصه، يقرأ: (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي).