العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ١٨٦ - سعد بن خولة العامرى، من بنى عامر بن لؤى، من أنفسهم، و قيل مولى لهم
و ذكر أن قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «لكن سعد بن خولة البائس، قد مات فى الأرض التى هاجر منها». يرد قول من يقول: إنه إنما رثى له، قبل أن يهاجر. و ذلك غلط واضح؛ لأنه لم يشهد بدرا إلا بعد هجرته. و هذا لا يشك فيه ذو لبّ. انتهى.
و لما مات سعد بن خولة، كانت زوجته سبيعة الأسلميّة حاملا، فوضعت بعد وفاته بليال، فأفتاها النبى (صلى اللّه عليه و سلم) بحلها من عدته، و نكاح من شئت.
و قد اختلف فيما بين وضعها و موت زوجها، فقيل شهر، و قيل خمس و عشرون ليلة، و قيل أقل من ذلك. و اللّه أعلم.
و يشكل على قول من قال: إنه مات فى حجة الوداع، أن الترمذى قال: حدثنا ابن أبى عمر، قال: حدثنا سفيان عن الزهرى عن عامر بن سعد بن أبى وقاص، عن أبيه، قال: مرضت عام الفتح مرضا أشفيت منه على الموت، فأتانى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يعودنى.
الحديث. و فى آخره. لكن البائس سعد بن خولة! يرثى له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أن مات بمكة. انتهى.
و قال الترمذى بعد إخراجه لهذا الحديث: و فى الباب عن ابن عباس: هذا حديث حسن صحيح. انتهى.
و رواه أحمد بن حنبل فى مسنده فقال: حدثنا سفيان، عن الزهرى، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: مرضت بمكة عام الفتح. فذكره بمعناه، إلى أن قال: لكن البائس سعد بن خولة! يرثى له النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، أن مات بمكة. و فى هذا الحديث حجة على أن سعد ابن خولة لم يمت فى حجة الوداع؛ لأن النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، رثى له فى عام الفتح لموته بمكة.
و الفتح هو فتح مكة، و بينه و بين حجة الوداع، سنتان و شهران و أيام. و لم أر من نبه على هذا الإشكال فى وفاة سعد بن خولة، و لا يعارض هذا الإشكال ما فى الصحيحين و غيرهما، عن سعد بن أبى وقاص، قال: جاءنى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يعودنى عام حجة الوداع، من وجع اشتد بى. فذكر حديث الوصية. و فى آخره: لكن البائس سعد بن خولة! يرثى له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أن مات بمكة. انتهى. لأن هذا الحديث يقتضى أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، رثى فى حجة الوداع، لسعد بن خولة لموته بمكة، و ذلك لا يلتزم موته فى حجة الوداع، لإمكان أن يكون مات قبل حجة الوداع، بعام أو عامين أو أكثر، أو أقل من عام، و إنما رثى له النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فى حجة الوداع لأنه عاد فيها سعد بن أبى وقاص، و رأى منه كراهية للموت بمكة، لكونه هاجر منها.