شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٥٢ - الشرح
هذه علوم كشفية و ذوقية ظفر بها علماء الآخرة و حرم ذلك على علماء الدنيا الراغبين فى جاهها و مالها، و لا يكاد نظر من لا ذوق له و ان كان معدودا من اهل الذكاء و الفطنة[١] ان يصل إليها، اذ العلم بها كالعلم بكيفية حلاوة السكر لا يحصل بالوصف ممن ذاقه لمن لم يذقه.
و مما ينبئك عن شرف علوم اهل المعرفة و علماء الآخرة ان العلوم كلها لا يتعذر تحصيلها مع محبة الدنيا و الاخلال بحقائق الاخلاص و التقوى، بل ربما كان محبة الدنيا عونا على تحصيلها و اكتسابها، لاطلاع الجمهور على نتائجها و ثمراتها التى بها مصالح الخلق و نظام معيشتها الدنيوية، فيتحملون المشاق و سهر الليل و الصبر على الغربة و الاسفار لطلب الحديث و الاسناد العالية لاستشعارهم حصول الجاه و الرفعة بحصول العلم.
و اما علوم هؤلاء القوم فلا يحصل مع محبة الدنيا و لا ينكشف الا بمجانبة الهوى و التوحش عن صحبة ابناء الزمان و عاداتهم الرديئة و اخلاقهم السيئة و ملازمة التقوى، قال اللّه تعالى: وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ (البقرة- ٢٨٢)، جعل العلم ميراث التقوى، و غير علوم هؤلاء ميسر من غير ذلك بلا شك، فعلم من ذلك فضل علوم علماء الآخرة على علوم غيرهم.
و اما قول القائل: كيف يعلم ان الّذي رأى فى النوم حق و انه من الملك؟ فهذا مما ذكره الصوفية فى كتبهم و بحثوا عن التميز بين الخواطر و المنامات و الفرق بين ما هو من قبل اللّه و الملك و بين ما هو من قبل الشيطان و النفس.
و ما اجاب ٧ بقوله: يوفق لذلك حتى يعرفه، و اشارة الى ان من له اهلية ان يرى الملك فى المنام كان له من التوفيق الالهى و الهداية الربانية ان يعرف به التميز بين إلهام الملك و وسوسة الشيطان لانه كان عليه بينة من ربه، هذا الّذي ذكره ٧ اصل الكلام فى هذا المقام.
لكن العرفاء و اصحاب الرياضات و المكاشفات بعد ما بينوا اقسام المكاشفة و المشاهدة
[١] الفتنة- م- ط.