شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٠ - الشرح
بهذا القسم كتخصيص اسم الحكمة بالطب الّذي هو من فروع ادنى اقسامها اعنى الطبيعى، فيقال للطبيب الطرقى[١] انه حكيم، فهكذا نسبة الفقه الّذي هو حفظ الفتاوى الى اصل الفقه الّذي كان معروفا عند الائمة الهادين : و من على سيرتهم من الذين سبقونا بالايمان و التابعين لهم باحسان.
و اعلم انه ذكر ابو حامد الغزالى فى كتابه الاحياء فى مبدأ نشو علم الفتاوى و الاحكام و سبب تدوينه و تدوين علم الكلام: ان الخلافة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله تولاها الخلفاء و كانوا عالمين بالاحكام الدينية مشتغلين بالفتاوى فى الاقضية، و كانوا لا يستعينون بالفقهاء الا نادرا فى وقائع لا يستغنى فيها عن المشاورة، فتفرغ العلماء بعلم الآخرة و تجردوا لها و كانوا يتدافعون الفتاوى و ما يتعلق باحكام الخلق من امر الدنيا و اقبلوا على اللّه بكنه اجتهادهم كما نقل من سيرهم، فلما افضت الخلافة بعدهم الى اقوام تولوا بغير استحقاق و استيهال و استقلال بعلم الفتاوى و الاحكام اضطروا الى الاستعانة بالفقهاء و الى استصحابهم فى جميع احوالهم لاستفتائهم فى جميع مجارى احكامهم.
و كان قد بقى من علماء التابعين من هو مستمر على الطرز[٢] الاول و مواظب على سمت علماء السلف، فكانوا اذا طلبوهم هربوا و اعرضوا، و اضطروا الخلفاء الى الالحاح فى طلبهم لتولية القضاء و الحكومات، فرأى اهل تلك الاعصار عز العلماء و اقبال الولاة و الحكام عليهم مع اعراضهم عنهم فاشرأبوا لطلب العلم توصلا الى نيل العز و درك الجاه من قبل الولاة، فاكبوا على علم الفتاوى و عرضوا انفسهم على الولاة و تعرفوا إليهم و طلبوا الولايات و الصلات منهم، فمنهم من حرم و منهم من انجح، و المنجح لم يخل عن ذل الطلب و مهانة الابتذال.
فاصبح الفقهاء- بعد ان كانوا مطلوبين- طالبين، و بعد ان كانوا اعزة بالاعراض
[١] اى: الّذي جلس على شوارع الطرق و يتداوى الناس، او الّذي يد حرج القرعة على اكف السوادية فى شوارع الطرق.
[٢] الطراز« الاحياء».