شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣١٦ - الشرح
علوى من عالم الامر فائض على هذا البدن بامر اللّه و قوله: كُنْ فَيَكُونُ* (البقرة- ١١٧)، و هو مستور عن الحواس غير متدنس بالارجاس و الادناس و انكره اكثر الناس و هم النازلون فى مهوى الحيوانات و منزل الدواب و لم يحصل لهم هذا الجوهر العقلى و لم يجعل اللّه لهم هذا النور، فهم بعد فى ظلمة الوهم مترددون لما بينا فى كتبنا البرهانية:
ان جمهور الناس نفوسهم حيوانية خيالية، و هذا الجوهر الربانى و النور العقلى انما يوجد فى اهل الكمال العلمى من الذين خرجت نفوسهم بالعلم و العمل من حد القوة الى الفعل و من حدود النفوس الى حد العقل و من الظلمات الى النور.
فاذا علمت هذه المقدمات فاعلم: انه ٧ أراد أن يشير الى ان ابليس لكونه لم يتجاوز درجة نفسه من حد الوهم المشوب بالحس الى حد العقل الخالص، و لم ير من حقيقة آدم الا البدن المظلم المخلوق من الطين، فقاس نفسه النارية المخلوقة من النار فقال اللعين: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* (الاعراف- ١٢)، و النار خير من الطين، فانا خير من آدم، هذا نتيجة قياسه المغالطى الفاسد، و منشأ غلطه وجوه:
احدها انه عليه اللعنة اخذ ما بالقوة مكان ما بالفعل، فان الانسان انسان بما به موجود بالفعل لا بما به موجود بالقوة، فالبدن المخلوق من الطين هو انسان بالقوة لانه حامل القوة الاستعدادية لحدوث ما به يصير انسانا بالفعل.
و ثانيها انه اخذ مادة الشيء مكان صورته، فالانسان انسان بصورته لا بمادته و كذا كل موجود مركب من مادة و صورة، فالسرير سرير بصورته السريرية لا بمادته الخشبية، و السيف سيف بحدته الموجبة للقطع لا بحديده، و على هذا القياس.
و ثالثها انه اخذ ما ليس بعلة علة، فان علة كرامة آدم و استحقاقه لمسجودية الملائكة ليست لاجل جسده المخلوق من الطين بل انما هما لاجل روحه الّذي هو سر من اسرار اللّه و نور من انواره، او لاجل جامعيته لجميع ما هو متفرق فى عالمى الملك و الملكوت و مظهريته لجميع الاسماء الالهية و هى المشار إليها بقوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها (البقرة- ٣١).