شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٧١ - الشرح
و وجه ذلك: ان النفس اذا ادركتها[١] و احاطت بها علما فكأنها نزلت من سماء ملكوتها و مقامها و وضعت عند نفس العالم حتى وطئتها، و قيل: اراد بوضع الاجنحة نزولهم فى مجالس العلم؛ و الوجه العقلى فيه ما ذكرناه على انا لا ننكر تصورها بصورة الطيور الباسطة اجنحتها لطالب العلم باذن اللّه، الا ان ذلك مجرد احتمال و تجويز غير ثابت، و ما ذكرناه امر محقق.
و اما قوله صلى اللّه عليه و آله: و انه يستغفر لطالب العلم من فى السماء و من فى الارض حتى الحوت فى البحر، فالوجه العقلى فيه: ان كل نعمة من نعم اللّه التى انعم بها على الانسان قد وجب عليه شكرها، و لا يمكن الشكر على نعمة ما لم يعرف قدرها، و لا يعرف قدر نعمة من النعم من لم يعلمها و لا ما يتوقف عليه من اسبابها و عللها و لا كيفية الانتفاع بها.
و ما من نعمة من النعم و لو شيء حقير كفتح العين او اقل منه الا و يتوقف وجوده على وجود الاسباب التى لا يتناهى، و من به كفر به فكر بها جميعا، فمن كفر بفتح العين كفر بنعمة اللّه فى خلق الاجفان التى من جملتها خلق اطرافها حادة منطبقة على الحدقة ليكون كالمصقلة للمرآة و دافعا لاصابة الغبار اياها، و قد انصقلت عن الغبارات بتطبيق اطراف الجفن عليها مرة و مرتين و خرجت الاقذار الى زوايا العين و منها الى الخارج فقد كفر نعمة اللّه فى خلق العين و ما يتوقف عليه من الموجودات المتسلسلة عرضا الى ما لا يقف، و طولا الى ما يقف عند اللّه.
اذ الاجفان لا يقوم الا بالعين و العين لا يقوم الا بالرأس و لا الرأس الا بجميع البدن، و لا البدن الا بالغذاء و لا الغذاء الا بالارض و الماء و الهواء و المطر و الغيم و السحاب و لا هى الا بالشمس و القمر و النجوم المسخرات بامره، و لا يقوم شيء منها الا بالسماوات و لا السموات الا بالملائكة المدبرات، و لا يقوم هذه المدبرات الا بحملة العرش و اهل الجبروت و اللوح المحفوظ و القلم الاعلى.
فان العالم كله كالشخص يرتبط البعض منه بالبعض، فمن يكفر بنعمة التطريفة
[١] اى الملائكة التى هى الجواهر القدسية.