شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٦٩ - الشرح
فيه ان الامور على أربعة اقسام: قسم يرضاه العقل و لا يرضاه الشهوة، و قسم يرضاه الشهوة و لا يرضاه العقل، و قسم يرضاه العقل و الشهوة، و قسم لا يرضاه العقل و الشهوة.
فالاول هو الامراض و المكاره فى الدنيا، و اما الثانى فهو المعاصى اجمع، و اما الثالث فهو العلم، و اما الرابع فهو الجهل.
فمن اشتغل بالعلم فقد خاض فى جنة حاضرة. اذ الجنة ما تشتهيه الانفس و فيها النعيم، و من رضى بالجهل فقد رضى بنار حاضر، اذ الجحيم ما يسخطه و يستكرهه النفس. ثم من اختار العلم و يسلك سبيله يقال له غدا: تعودت المقام فى الجنة فادخل الجنة، و من اكتفى بالجهل يقال له غدا: تعودت بالنار فادخل النار.
و الّذي يزيدك إيضاحا ان العلم جنة و الجهل نار: ان كمال اللذة فى ادراك المحبوب و كمال الالم فى البعد عن المحبوب، لكن محبوب كل قوة ما هو من جنسه، فلذة البصر ادراك الملونات و لذة اللمس ادراك الملموسات و لذة الشهوة ادراك المشتهيات التى من جنسها، فلشهوة البطن المأكولات و لشهوة الفرج المنكوحات و لذة القوة الغضبية بنيل الظفر و الانتقام.
و حقيقة الانسان ليست شيئا من هذه القوى المذكورة و محالها من الجوارح و الاعضاء، بل النفس الناطقة الباقية بعد موت هذا البدن الكائن الفاسد، و لها قوى و حواس اخروية باقية معها و بدن مكتسب كما حقق فى مقامه.
اذا تقرر هذا و تبين ان اللذة ادراك المحبوب و الالم ادراك المكروه فنقول:
كلما كان الادراك اغوص و اشد و المدرك اشرف و اكمل و ابقى و انقى وجب ان يكون اللذة اشرف و اشد؛ و لا شك ان محل العلم هو الروح و هو اشرف من البدن، و لا شك ان الادراك العقلى اغوص و اشرف، اما انه اغوص من ادراك الحواس، لانه يتعلق بباطن الشيء و ظاهره و بحقيقته و عارضه و كنهه و وجهه.
و اما الحواس فيتعلق بظواهر الاشياء و سطوحها و اطرافها، و لا شك ان المعلوم اشرف من المحسوس، لانه هو رب العالمين و صفاته و مخلوقاته من الملائكة و الأنبياء