شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٥٩٨ - الشرح
إليهم فى الآية السابقة بقوله: وَ مِنَ النَّاسِ.
و ثالثها قوله تعالى: وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، و قد علمت ان هذه المنزلة ليست لسائر المؤمنين و انها مختصة باهل الكشف و الشهود.
و رابعها قوله: وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، و المراد به مجاهدة النفس على الوجه الاتم، و التكليف به لجميع الناس تكليف بما لا يطاق فهو مختص باهل اللّه و اهل الاجتباء و ميسر لما خلق له، و إليه الاشارة بقوله تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، اى وسعنا لكم و شرحنا صدوركم و رفعنا ثقله عنكم كما فى قوله تعالى لنبيه صلى اللّه عليه و آله: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (الانشراح- ١- ٣)، و للغفلة عن ان المكلف بالمذكورات هم اهل الخصوص ذهب بعضهم الى ان الآية منسوخة بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (التغابن- ١٦)، لان التكليف بها تكليف بما لا يطاق.
و اعلم انه تعالى لما تكلم فى الآيات المتقدمة فى الالهيات ثم فى النبوات اتبعه بالكلام فى الشرائع و العمليات و هو من أربعة وجوه: احدها تعيين المأمور و ثانيها اقسام المأمور به و ثالثها ذكر ما يوجب قبول تلك الاوامر و رابعها تأكيد ذلك[١].
اما النوع الاول و هو تعيين المأمور فهو قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا*، و فيه اقوال:
الاول ان المراد به كل المكلفين سواء كان مؤمنا او كافرا، لان التكليف بهذه الاشياء عام فى كل المكلفين فلا معنى لتخصيص البعض[٢] بذلك.
و الثانى ان المراد منه المؤمنون خاصة دون الكفار، اما أولا فلان اللفظ صريح فيه، و أما ثانيا فلان قوله: هُوَ اجْتَباكُمْ و قوله: هُوَ سَمَّاكُمُ، الْمُسْلِمِينَ، و قوله: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ*، كل ذلك لا يليق الا بالمؤمنين لا يشمل غيرهم، غاية ما فى الباب ان يقال: لما كان المأمور به واجبا على الكل فأي فائدة فى تخصيص المؤمنين به؟
[١] ذلك التكليف« التفسير الكبير».
[٢] المؤمنين« التفسير».