شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٤ - الشرح
الشرح
اعلم: ان الناس اختلفوا فى ان لزوم البيت و العزلة من الخلق افضل او المخالطة و الصحبة معهم؟ و التحقيق ان كلا من الامرين يفضل على الاخر فى وقت و من جهة، و ذلك يختلف باختلاف حال الاشخاص بل باختلاف حال شخص واحد بحسب الاوقات.
فان كثيرا من المقاصد الدينية و الدنياوية يتوقف حصولها على الاستعانة بالغير و اعظم ذلك كله التعلم و التفقه فى الدين، فانه اعظم و اهم من كل عبادة و طاعة و لا يتصور ذلك الا بالمخالطة و الصحبة مع المعلمين و الاستاذين، و كل ما يستفاد من المخالطة يفوت بالعزلة.
فالمحتاج الى التعلم كما هو فرض عليه فما يفوت به و هو العزلة حرام عليه فهو يكون عاصيا بالعزلة و لزوم البيت، اللهم الا ان لا يتأتى منه الخوض فى العلوم و رأى الاشتغال بالعبادة و الاكتفاء بالتقليد فيما سمعه منذ أول الامر و اعتقده اولى، فلا يبعد ان يكون العزلة فى حقه راجحا سيما اذا لم يتمش منه انفاع الغير و لا اكتساب الخيرات الدنيوية، فان عبادة الجهال ليس فيها كثير خير.
و اما من كان يقدر على التبريز فى علوم الدين و اصول اليقين، فالعزلة فى حقه قبل التعلم و التفقه هى الخسران المبين، و لهذا قال بعضهم: تفقه ثم اعتزل.
و من اعتزل قبل التعلم، فهو فى الاكثر مضيع اوقاته بنوم او فكر فى هوس، و غايته ان يستغرق الاوقات بأوراد يستوعبها و هو لا ينفك فى اعماله بالبدن و القلب عن انواع من الغرور يخيب سعيه و يبطل عمله من حيث لا يدرى، و لا ينفك فى اعتقاده فى اللّه تعالى و صفاته عن اوهام يتوهمها و يأنس بها و عن خواطر فاسدة تعتريه فيها، فيكون فى اكثر احواله ضحكة للشيطان و هو يرى نفسه من العباد، فالعلم هو اصل الدين فلا خير فى عزلة العوام و الجهال.
قال بعض العلماء: مثال النفس مثال مريض يفتقر الى طبيب متلطف ليعالجها، فالمريض الجاهل اذا خلا بنفسه عن الطبيب قبل ان يتعلم الطب تضاعف لا محالة مرضه؛ فلا يليق العزلة الا بالعلماء.