شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٣٣ - الشرح
ثم قال فى جواب قولهم: نحن احق بمثل هذا الصنع: ان احق الناس بالخدمة هو العالم اى و ان كان بالقياس الى من دونه، ثم اخذ فى بيان فائدة ما فعله و غاية ما صنعه من التواضع و الخدمة و جعلها غايتين إحداهما متعدية و الاخرى لازمة: اما التى يتعدى الى الغير فهو تعلمهم ذلك منه و اقتداؤهم به ٧ و ذلك لكيلا ينتفعوا كما انتفع به و يستكملوا، و اما الثانية و هى الغاية الذاتية و السبب الاصلى فى فعل التواضع فما اشار إليه بقوله ٧: بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبر، و اكتفى فى بيان هذا الحكم بمثال كما هو عادة الأنبياء و الرسل : حيث اتوا بالامثال و صوروا- الحقائق الغامضة العقلية بكسوة الامثلة الحسية.
و ذلك لان اكثر الناس يغلب عليهم الجهة الحسية فلا يمكنهم ادراك البراهين العقلية و لا تجريد المعانى عن ملابس الصور، و اما الذين صفت اذهانهم و كملت عقولهم و هم الآفلون، فلفرط ذكائهم و قوة حالهم يتفطنون بالحقائق بواسطة الامثال المضروبة للناس كما قال سبحانه: وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ (العنكبوت- ٤٣).
و اما الوجه العقلى و السبب اللمى فى ذلك[١]: ان العلم الحقيقى كمال عقلى لا يحصل للانسان الا بحدوث فطرة ثانية و نشأة آخرة له غير الفطرة الاولى المشتركة بين الناس كلهم، و نسبة الاولى الى الثانية كنسبة الجنس الى النوع و نسبة الحيوانية الى الانسانية العامية، و لا يمكن الترقى من نشأة الى نشأة اخرى الا باستحالات و تبدلات من شأن الى شأن موجبة لهدم الاولى و زوالها و احكام الثانية و بقائها.
فالتواضع و الخضوع، و لين الجانب و خفض الحال و رقة القلب و سائر ما هو من هذا القبيل مما له مدخلية فى لطافة النفس و صفاتها و صيرورتها بمنزلة زجاجة لا لون لها و صحيفة لا نقش لها، فلاجل ذلك يقبل الهيئات العقلية و العلوم الالهية، فاذا امعن المريد للحق فى الرياضة و رفض الانانية و محو الصفات و الآثار استحدث لنفسه فطرة ثانية، و صار قلبة كمرآة مجلوة يتراءى بها الحقائق كما هى، و اما اذا اتصفت نفس
[١] اى فى ان التواضع سبب لتعمير الحكمة.