شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٢٧ - تبصرة
السلام الى القسم الاخر و هو النفاق فى العمل بقوله: الا لا خير فى عبادة ليس فيها تفكر، و انما كانت تلك العبادة كذلك اى لا خير فيها، لان صاحبها لا يخلو عن اعجاب بنفسه، و اعجاب المرء بنفسه من المهلكات كما مر.
و هاهنا نكتة لطيفة: و هى ان النفاق بالحقيقة عبارة عن ايثار الدنيا على الآخرة و اختيار الادنى الاخس على الارفع الاشرف، فكل من آثر العمل على العلم و اعمال الجوارح على الحركات الفكرية، و استعمال الحواس و المشاعر[١] الجزئية على استعمال العقل و المدارك الكلية العقلية و كذا العلوم و الصنائع الجزئية على العلوم الكلية و المعارف الحكمية فهو من اهل النفاق عند ذوى البصائر. و اصل هذه النفاقات استيلاء القوة الوهيمة التى هى رئيس القوى الحيوانية و الشيطانية، و هى اعظم جنود الكفر و حزب الشيطان قبل ان اسلمت و اطاعت و خدمت للقوة العقلية التى هى رئيس القوى الملكية و القوى المسلمة المطيعة و هى اعظم جنود الحق و حزب الرحمن.
و اما الرواية الاخيرة فلا تخالف و لا تزيد على هذه الرواية إلا بتبديل لفظة ليس فيها تفكر بلفظة لا فقه فيها فى قوله: الا لا خير فى عبادة ... الى آخره و بايراد القضية الاخيرة هاهنا و هو قوله ٧: الا لا خير فى نسك لا ورع فيه، و النسك و ان كان معناه معنى العبادة كما هو المذكور فى كتب اللغة و لكن يشبه ان يكون فيه زيادة تأكيد و كأنه عبادة مع زهد و هو الورع، فكان المراد انه لا خير فى عبادة لا زهادة معها، فان الزهد الحقيقى منشؤه العرفان فلا يتحقق إلا مع العلم.
و لعل فائدة هذه الزيادة الواقعة فى الرواية الاخيرة التنبيه على ان العبادة لا تتم بدون الزهد فى الدنيا، و معلوم ان ذلك لا يتحقق الا بالعلم بحقارة الدنيا و جلالة قدر الآخرة و ان ما عند اللّه خير و ابقى.
فثبت ان العلم هو الاصل فى كل عمل صالح فعلا كان كالعبادة او تركا كالزهد.
[١] المدارك- النسخة البدل فى الاصل للشارح.