تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٢٥ - الفصل الرابع في جملة من كلماته الشريفة و مواعظه البليغة
«انّ الدنيا قد ارتحلت مدبرة و انّ الآخرة قد ارتحلت مقبلة و لكل واحدة منهما بنون، فكونوا من ابناء الآخرة و لا تكونوا من ابناء الدنيا (ألا) و كونوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، الا انّ الزاهدين في الدنيا اتخذوا الارض بساطا و التراب فراشا و الماء طيبا و قرّضوا من الدنيا تقريضا [١].
(١) ألا و من اشتاق الى الجنّة سلا عن الشهوات و من أشفق من النار رجع عن المحرمات و من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب.
(٢) ألا انّ للّه عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلّدين و كمن رأى أهل النار في النار معذّبين، شرورهم مأمونة و قلوبهم محزونة، أنفسهم عفيفة و حوائجهم خفيفة، صبروا أياما قليلة فصاروا بعقبى راحة طويلة، اما الليل فصافّون أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم و هم يجأرون الى ربّهم [٢] يسعون في فكاك رقابهم، و اما النهار فحكماء علماء بررة أتقياء كأنّهم القداح [٣] قد برأهم الخوف من العبادة، ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى و ما بالقوم من مرض، أم خولطوا فقد خالط القوم أمر عظيم، من ذكر النار و ما فيها [٤].
(٣) الخامسة: روي في كشف الغمة عن الامام محمد الباقر عليه السّلام انّه قال: أوصاني أبي فقال: يا بني لا تصحبنّ خمسة و لا تحادثهم و لا ترافقهم في طريق، فقلت: جعلت فداك يا أبة من هؤلاء الخمسة؟
قال: لا تصحبنّ فاسقا فانّه يبيعك بأكلة فما دونها، فقلت: يا أبة و ما دونها؟ قال: يطمع فيها ثم لا ينالها، قال: قلت: يا أبة و من الثاني؟
قال: لا تصحبنّ البخيل فانّه يقطع بك في ماله أحوج ما كنت إليه، قال فقلت: و من
[١] أي قطعوا أنفسهم عن الدنيا و علائقها تقطيعا باقلاع قلوبهم عنها.
[٢] يجأرون: أي يتضرّعون.
[٣] القداح: السهم بلا ريش و لا نصل، شبّههم في نحافة أبدانهم بالسهام.
[٤] راجع الكافي، ج ٢، ص ١٠٧، باب ذمّ الدنيا و الزهد فيها- عنه في البحار، ج ٧٣، ص ٤٣، ح ١٨.