بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٢٠ - ٣- الجهة الثالثة في قيام الإمارات مقام القطع الموضوعي المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية الكاشفية
ترد في آية و لا في رواية بلفظ قاعدة القبح، أو قبح العقاب بلا بيان، و إنّما يدّعى أنّها قاعدة عقلية، فلو سلّمنا بذلك، إلّا أنّنا نقول:
إنّ هذه القاعدة إنّما يرتفع موضوعها فيما إذا صدر من المولى إنشاء ناظر إلى التكاليف الواقعية المشكوكة و مبرز لشدّة اهتمام المولى بها، لا مجرد الإنشاء، و حينئذ، بذلك يحصل العلم بالقضية الشرطية، و هي أنّه «لو كان التكليف الواقعي ثابت، فهو مهم عند المولى»، و هذا العلم هو الّذي يوجب رفع موضوع القاعدة، فدليل الحجيّة الّذي مفاده إنشاء الطريقية، و جعل الظن علما، ليس مجرّد إنشائه يكون كافيا لرفع موضوع القاعدة، لأنّ ميزان القبح و عدمه ليس مجرد الإنشاء و الألفاظ، بل الميزان هو، إبراز شدّة الاهتمام بالنحو الّذي عرفت.
إذن فدليل الحجيّة بالنسبة إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وارد، لكن وروده هنا لا يكفي بمجرد إنشاء الطريقية، بل يحتاج لرفع موضوعها إلى عناية نظر إضافي وراء مجرد إنشاء الطريقية، و هو إبراز شدّة اهتمام المولى، و إلّا فبدونه لا يكون رافعا لموضوع قاعدة القبح.
و أمّا بلحاظ دليل القطع الموضوعي، أي دليل وجوب إراقة مقطوع الخمرية، فمن الواضح انّ موضوع هذا الدليل هو القطع، و القطع لا يشمل إلّا أفراده الحقيقية دون العنائية منها، و عليه فمجرد إنشاء كون الظن علما في دليل الحجيّة لا يولّد تكوينا و وجدانا إطلاقا في دليل وجوب الإراقة، لأنّ هذا الدليل موضوعه العلم الوجداني كما هو ظاهره، فإسراء الحكم من القطع الوجداني إلى الفرد الادّعائي لا يتم بمجرد هذا الإنشاء، بل يتم بالنظر، بمعنى انّ هذا الدليل يجب أن يكون حاكما، و يكون تقدمه بالحكومة لا بالورود، و الحاكم، ملاك تقدمه هو، النظر إلى الدليل المحكوم، فهذا الدليل، و هو دليل الحجيّة، هو يسرّى حكم ذاك إلى هنا، لا أنّ ذاك الدليل هو الّذي سوف يسري.