بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٣٠ - ١- المقام الأول في العقل النظري
يلتفت إلى الشيء مرّة بعد مرّة، فإنّ هذا يؤدّي إلى زوال الثقة منه بهذا الوجدان العقلي، و معه لا يحصل للمستدلّ العقلي يقين.
و الحاصل هو أنّ كثرة وقوع الأخطاء في الاستدلالات العقلية يوجب زوال الثقة بهذا الوجدان العقلي، و معه لا يحصل للمستدل يقين.
و هذا التقريب يفرق عن التقريب السابق، بأنّه في التقريب السابق كان يتصور بأنّ مدرك التصديق هو ملاحظة النسبة الرياضية للصواب و للخطإ، و لهذا قلنا بأنّ مدرك التصديق بالنسبة لنفس المباشر لعملية الاستدلال ليس هو النسبة، بل هو الوجدان العقلي، بينما في هذا التقريب يعترف بأنّ مصدر التصديق هو هذا الوجدان العقلي، لكن يقال:
بأنّ هذا الوجدان لا يولد اليقين بسبب ما يراه صاحب هذا الوجدان من كثرة وقوع الأخطاء.
و يردّ على هذا الكلام نقضا و حلا.
أمّا نقضا: فإنّه يقال: بأنّ مرجع هذه الدعوى إلى أنّ العقل يرى انّ كثرة الأخطاء مانعة من تأثير هذا الوجدان العقلي في حصول اليقين.
و هذه الدعوى بنفسها من مدركات العقل، إذ ليست هي مفاد آية و لا رواية، بل هي من مدركات العقل الّذي يقع فيه هذا الخلاف- النفي و الإثبات- و عليه: فكيف يعقل أن يدّعي الطرف المقابل هذه الدعوى في مقام إلزامنا برفع اليد عن الدليل العقلي، لأنّه إن ادّعى هذه الدعوى بنحو اليقين و الجزم، فهذا بنفسه تكذيب للدعوى، لأنّه حصل له يقين بإدراك عقلي، و هو خلف دعواه نفسها، و إن فرض أنّه لم يدّع حصول اليقين و الجزم بها، فحينئذ، هو و شأنه، و لكن دعواه لا تصلح دليلا ملزما للغير برفع اليد عن التعويل على الدليل العقلي.
و يردّ عليه حلا بأن يقال: إنّ بطلان يقين بسبب ظهور الخطأ في يقين آخر له ثلاث حالات.