المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٠٧ - التنبيه الأول استصحاب الكلي (١)
و إذا اتضح هذا التحليل الدقيق لمنشا الأقوال في المسألة يتضح الحق فيها، و هو القول الثاني و هو عدم جريان الاستصحاب مطلقا.
أما أولا: فلأنه من الواضح: عدم كفاية الوحدة النوعية في الاستصحاب، لأن معنى بقاء المستصحب فيه هو استمراره خارجا بعد اليقين به. و نحن لا نعني من استصحاب الكلي استصحاب نفس الماهية من حيث هي فإن هذا لا معنى له، بل المراد استصحابها بما لها من الوجود الخارجي لغرض ترتيب أحكامها الفعلية.
و أما ثانيا: فلأنه من الواضح أيضا أن الحق: إن نسبة الكلي إلى أفراده من قبيل نسبة الآباء إلى الأبناء، لأنه من الضروري إن الكلي لا وجود له إلّا بالعرض بوجود أفراده.
و في مقامنا قد وجدت حصة من الكلي و قد ارتفعت هذه الحصة يقينا، و الحصة الأخرى منه في الفرد الثاني هي من أول الأمر مشكوكة الحدوث، فلم يتحد المتيقن و المشكوك.
و بهذا يفترق القسم الثالث عن القسم الثاني من استصحاب الكلي، لأنه في القسم الثاني- كما سبق- ذات الحصة من الكلي المتعينة واقعا المعلومة الحدوث على الإجمال هي نفسها مشكوكة البقاء، حيث لا يدرى أنها الحصة المضافة إلى الفرد الطويل أو الفرد القصير.
و بهذا أيضا يتضح: إنه لا وجه للتفصيل المتقدم الذي مال إليه الشيخ الأعظم، فإن احتمال وجود الفرد الثاني في ظرف وجود الفرد الأول لا يقدم و لا يؤخر، و لا يضمن الوحدة الخارجية للمتيقن و المشكوك إلّا إذا قلنا بمقالة من يذهب إلى أن نسبة الكلي إلى أفراده من قبيل نسبة الأب الواحد إلى أبنائه، و حاشى الشيخ أن يرى هذا الرأي. و لا شك: أن الحصة الموجودة في ضمن الفرد الثاني من أول الأمر مشكوكة الحدوث، و أما المتيقن حدوثه فهو حصة أخرى و هي في عين الحال متيقنة الارتفاع.
و يكون وزان هذا القسم وزان استصحاب الفرد المردد الآتي ذكره.
تنبيه: و قد استثني من هذا القسم الثالث ما يتسامح به العرف فيعدون الفرد اللاحق المشكوك الحدوث مع الفرد السابق كالمستمر الواحد، مثل: ما لو علم السواد الشديد في محل و شك في ارتفاعه أصلا أو تبدله بسواد أضعف، فإنه في مثله حكم الجميع بجريان الاستصحاب. و من هذا الباب: ما لو كان شخص كثير الشك ثم