المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٦٦ - الإجماع عند الإمامية
و أما (الدليل العقلي): فأوضح، لأنه لا يتصور هناك قضية عقلية يتوصل بها إلى حكم شرعي كانت مستورة علينا و ظهرت لهم، ضرورة أنه لا بد في القضية العقلية التي يتوصل بها إلى الحكم الشرعي أن تتطابق عليها جميع آراء العقلاء، و إلّا فلا يصح التوصل بها إلى الحكم الشرعي. فلو أن المجمعين كانوا قد تمسكوا قضية عقلية ليست بهذه المثابة فلا تبقى قيمة لآرائهم حتى يستكشف منها الحق و موافقة الإمام، لأنهم يكونون كمن لا مدرك لهم.
فانحصر مدركهم في جميع الأحوال في (السنة).
و الاستناد إلى السنة يتصور على وجهين:
١- أن يسمع المجمعون أو بعضهم الحكم من المعصوم مشافهة أو يرون فعله أو تقريره. و هذا بالنسبة إلى عصرنا لا سبيل فيه حتى إلى الظن به فضلا عن القطع، و إن احتمل إمكان مشافهة بعض الأبدال من العلماء للإمام.
بل الحال كذلك حتى بالنسبة إلى من هم في عصر المعصومين، أي: إنه لا يحصل القطع فيه لنا بمشافهتهم للمعصوم، لاحتمال أنهم استندوا إلى رواية وثقوا بها، و إن كان احتمال المشافهة قريبا جدا؛ بل هي مظنونة على إنه لا مجال- بالنسبة إلينا- لتحصيل إجماع الفقهاء الموجودين في تلك العصور، إذ ليست آراؤهم مدونة، و كل ما دونوه هي الأحاديث التي ذكروها في أصولهم المعروفة بالأصول الأربعمائة.
٢- أن يستند المجمعون إلى رواية عن المعصوم، و لا مجال في هذا الإجماع لإفادته القطع بالحكم، أو كشفه عن الحجة الشرعية من جهة السند و الدلالة معا:
أما من (جهة السند): فلاحتمال أن المجمعين كانوا متفقين على اعتبار الخبر الموثق أو الحسن، فمن لا يرى حجيتهما لا مجال له في الاستناد إلى مثله. فمن أين يحصل لنا العلم بأنهم استندوا إلى ما هو حجة باتفاق الجميع؟
و أما من (جهة الدلالة): فلاحتمال أن يكون ذلك الخبر المفروض- أو فرض أنه حجة من جهة السند- ليس نصا في الحكم، و لا ينفع أن يكون ظاهرا عندهم في الحكم، فإن ظهور دليل عند قوم لا يستلزم أن يكون ظاهرا لدى كل أحد، و فهم قوم ليس حجة على غيرهم، أ لا ترى أن المتقدمين اشتهر عندهم استفادة النجاسة من أخبار البئر، و اشتهر عند المتأخرين عكس ذلك ابتداء من العلامة الحلي، فلعل الخبر الذي كان مدركا لهم ليس ظاهرا عندنا لو اطلعنا عليه.