المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٦٥ - الإجماع عند الإمامية
هذه خلاصة ما قيل من الوجوه المعروفة في استنتاج قول الإمام من الإجماع، و قد يحصل للإنسان المتتبع لأقوال العلماء المحصل لإجماعهم بعض الوجوه دون البعض، أي: لا يجب في كل إجماع أن يبتني على وجه واحد من هذه الوجوه، و إن كان السيد المرتضى يرى انحصاره في الطريقة الأولى «الطريقة التضمنية»، أي: الإجماع الدخولي، و الشيخ الطوسي يرى انحصاره في الطريقة الثانية «طريقة قاعدة اللطف».
و على كل حال، فإن الإجماع إنما يكون حجة إذا كشف كشفا قطعيا عن قول المعصوم من أي سبب كان و على أية طريقة حصل. فليس من الضروري أن نفرض حصوله من طريقة مخصوصة من هذه الطرق أو نحوها، بل المناط حصول القطع بقول المعصوم.
و التحقيق: أنه يندر حصول القطع بقول المعصوم من الإجماع المحصل ندرة لا تبقى معها قيمة لأكثر الإجماعات التي نحصلها، بل لجميعها بالنسبة إلى عصور الغيبة. و تفصيل ذلك أن نقول (ببرهان السبر و التقسيم): إن المجمعين إما أن يكون رأيهم الذي اتفقوا عليه بغير مستند و دليل أو عن مستند و دليل.
لا يصح الفرض الأول؛ لأن ذلك مستحيل عادة في حقهم، و لو جاز ذلك في حقهم فلا تبقى قيمة لآرائهم حتى يستكشف منها الحق.
فيتعين الفرض الثاني، و هو أن يكون لهم مدرك خفي علينا و ظهر لهم.
و مدارك الأحكام منحصرة عند الإمامية في أربعة: الكتاب و السنة و الإجماع و الدليل العقلي. و لا يصح أن يكون مدركهم ما عدا السنة من هذه الأربعة:
أما (الكتاب): فإنما لا يصح أن يكون مدركهم، فلأجل أن القرآن الكريم بين أيدينا مقروء و مفهوم، فلا يمكن فرض آية منه خفيت علينا و ظهرت لهم. و لو فرض أنهم فهموا من آية شيئا خفي علينا وجهه فإن فهمهم ليس حجة علينا، فاجتماعهم لو استند إلى ذلك لا يكون موجبا للقطع بالحكم الواقعي، أو موجبا لقيام الحجة علينا. فلا ينفع مثل هذا الإجماع.
و أما (الإجماع): فواضح إنه لا يصح أن يكون مدركا لهم، لأن هذا الإجماع الذي صار مدركا للإجماع ننقل الكلام إليه أيضا، فنسأل عن مدركه. فلا بد أن ينتهي إلى غيره من المدارك الأخرى (١).
(١) و هكذا فيلزم منه التسلسل التصاعدي الباطل.