المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٦٢ - الإجماع عند الإمامية
من عداه من العلماء الموجودين في عصره خاصة أو في العصور المتأخرة، مع عدم ظهور ردع من قبله لهم بأحد وجوه الردع الممكنة خفية أو ظاهرة؛ إما بظهوره نفسه أو بإظهار من يبين الحق في المسألة. فإن قاعدة اللطف كما اقتضت نصب الإمام و عصمته تقتضي أيضا أن يظهر الإمام الحق في المسألة التي يتفق المفتون فيها على خلاف الحق، و إلّا للزم سقوط التكليف بذلك الحكم، أو إخلال الإمام بأعظم ما وجب عليه و نصب لأجله، و هو تبليغ الأحكام المنزلة (١).
(١) فإن قاعدة اللطف مبنية على أساس عقلي، و ذلك بلزوم تدخل الشارع لمنع الاجتماع على الخطأ.
قال السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري (قدس سره) في كتابه تهذيب الأصول: قاعدة اللطف.
و اللطف: عبارة عن عناية الله تعالى و لطفه بخلقه و تدبير موجبات كمالهم الذي أعده لهم في علمه الأزلي. و هو إما تكويني، أو تشريعي، و الأول: إيصال الممكنات إلى الغايات المعدّة لها، و الثاني:
إيصال خصوص الإنسان إلى كماله المعنوي ببعث الرسل و إنزال الكتب و إتمام الحجة عليه و الوعد و الوعيد، و قد حصل ذلك منه تعالى بأكمل وجه و أتم طريق.
و قد يطلق اللطف على أنه يجب عليه تعالى تقريب العباد إلى الطاعة و تبعيدهم عن المعصية بما لا ينافي الاختيار، فإذا حصل إجماع على ما لا يرتضيه الله عليه تعالى صرفهم عنه، أو إلهام ما هو الواقع إليهم. و فيه: أن الواجب على الله تعالى إنما هو اللطف بما هو المتعارف بين الناس، و قد حصل ببعث الرسل و إنزال الكتب، و لا دليل على وجوب شيء زائد عنه عليه تعالى، لا بدليل عقلي و لا نقلي.
و حينئذ: فيكون احتمال الخطأ في إجماع المجمعين كاحتماله في فتوى فقيه يكون مرجعا للتقليد.
و قال الشيخ الأنصاري (قدس سره): «و لا يخفى: إن الاستناد إلى قاعدة اللطف غير صحيح على ما ذكر في محله. و ملخصه: أن الواجب على الإمام (عليه السلام) بيان الأحكام بطرق متعارفة و قد بينها، و عروض الاختفاء لها لبعض الجهات لا دخل له بالإمام (عليه السلام)، فلا يجب عليه من باب اللطف إلقاء الخلاف إذا اجتمع العلماء على الخطاء، فإذا علم استناد الحاكي إلى قاعدة اللطف فلا وجه للاعتماد على حكايته لأنه لم يحك قول الإمام (عليه السلام)، لأن قاعدة اللطف فاسدة.
و المفروض: أن إجماعات الشيخ كلها مستندة إلى هذه القاعدة ... حيث قال في العدة: بأنه لو لا قاعدة اللطف لم يمكن التوصل إلى معرفة موافقة الإمام (عليه السلام) للمجمعين».
إذا: هذه الدعوى ممنوعة صغرى و كبرى.
أما الصغرى:- و هو اتفاق الكل الذي يدعي المدعي بعدم إمكان كون الكل على الخطأ- فلا يمكن تحصيله لأحد خصوصا في الأعصار السابقة الفاقدة للوسائل السريعة بين البلاد؛ مع انتشار الفقهاء من أصحاب الفتاوى في الأقطار، و عدم وجود كتاب فتوائي لكل واحد منهم حتى يطلع المتتبع على فتاواهم و ينقلها عن حس، ففي هذه الحالة كيف يمكن أن يطلع على فتوى الكل، و أنهم متفقون في ذلك؟