المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٨٦ - ٢- صحيحة زرارة الثانية (١)
اليقين بالشك»- على إرادة اليقين ببراءة الذمة الحاصل من الأخذ بالاحتياط بعيدا جدا عن مساقها، بل أبعد من البعيد، لأن ظاهر هذا التعبير بل صريحه فرض حصول اليقين ثم النهي عن نقضه في فرض حصوله، بينما أن اليقين بالبراءة إنما المطلوب تحصيله و هو غير حاصل، فكيف يصح حمل هذه الجملة على الأمر بتحصيله؟ فلا بد أن يراد اليقين بشيء آخر غير البراءة.
و عليه: فمن القريب جدا أن يراد من اليقين: اليقين بوقوع الثلاث و صحتها كما هو مفروض المسألة بقوله: «و قد أحرز الثلاث»- لا اليقين بعدم الإتيان بالرابعة كما تصوره هذا المستدل حتى يرد عليه ما أفاده الشيخ- و حينئذ: فلو أراد المكلف أن يعتد بشكه فقد نقض اليقين بالشك، و اعتداده بشكه أحد أمور ثلاثة: إما بإبطال الصلاة و إعادتها رأسا، و إما بالأخذ باحتمال نقصانها فيكملها برابعة كما هو مذهب العامة، و إما بالأخذ باحتمال كمالها بالبناء على الأكثر فيسلم على المشكوكة من دون إتيان برابعة متصلة و خلط أحدهما بالآخر.
و لأجل هذا عالج الإمام (عليه السلام) صلاة هذا الشاك لأجل المحافظة على يقينه بالثلاث و عدم نقضه بالشك، و ذلك بأن أمره بالقيام و إضافة ركعة أخرى، و لا بد أنها مفصولة، و يفهم كونها مفصولة من صدر الرواية «ركع بركعتين و هو قائم بفاتحة الكتاب»، فإن أسلوب العلاج لا بد أن كون واحدا في الفرضين، مضافا إلى أن ذلك يفهم من تأكيد الإمام: بأن لا يدخل الشك في اليقين و لا يخلط أحدهما بالآخر لأنه بإضافة ركعة متصلة يقع الخلط و إدخال الشك في اليقين.
و عليه: فتكون الرواية دالة على قاعدة الاستصحاب من جهة، و لكن المقصود فيها استصحاب وقوع الثلاث صحيحة، كما أنها تكون دالة على علاج حالة الشك الذي لا يجوز نقض اليقين به من جهة أخرى، و ذلك بأمره بالقيام و إضافة ركعة منفصلة لتحصيل اليقين بصحة الصلاة؛ لأنها إن كانت ثلاثا فقد جاء بالرابعة، و إن كانت أربعا تكون الركعة المنفصلة نفلا.
و منه يعلم: أن المراد من اليقين في الفقرتين الرابعة و الخامسة «و لكنه ينقض الشك باليقين و يتم على اليقين و يبني عليه»: غير اليقين من الفقرات الأولى، فإن المراد به هناك: اليقين بوقوع الثلاث صحيحة. و المراد به في هاتين الفقرتين: اليقين بالبراءة، لأنه بإتيان ركعة منفصلة يحصل له اليقين ببراءة الذمة فيكون ذلك نقضا للشك