المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٧١ - الدليل الأول بناء العقلاء
و قد وقعت المناقشة في المقدمتين معا. و يكفي في المناقشة ثبوت الاحتمال فيبطل به الاستدلال، لأن مثل هذه المقدمات يجب أن تكون قطعية و إلّا فلا يثبت بها المطلوب و لا تقوم بها للاستصحاب و نحوه حجة.
أما (الأولى): فقد ناقش فيها أستاذنا: الشيخ النائيني (رحمه الله): بأن بناء العقلاء لم يثبت إلّا فيما إذا كان الشك في الرافع، أما إذا كان الشك في المقتضى فلم يثبت منهم هذا البناء على ما سيأتي من معنى المقتضى و الرافع اللذين يقصدهما الشيخ الأنصاري. فيكون بناء العقلاء هذا دليلا على التفصيل المختار له و هو القول التاسع.
و لا يبعد صحة ما أفاده من التفصيل في بناء العقلاء، بل يكفي احتمال اختصاص بنائهم بالشك في الرافع، و مع الاحتمال يبطل الاستدلال كما سبق.
و أما المقدمة الثانية: فقد ناقش فيها شيخنا الآخوند في الكفاية بوجهين نذكرهما و نذكر الجواب عنهما:
أولا: إن بناء العقلاء لا يستكشف منه اعتبار الاستصحاب عند الشارع إلّا إذا أحرزنا أن منشأ بنائهم العملي هو التعبد بالحالة السابقة من قبلهم، أي: أنهم يأخذون بالحالة السابقة من أجل أنها سابقة، لنستكشف منه تعبد الشارع، و لكن ليس هذا بمحرز منهم إذا لم يكن مقطوع العدم، فإنه من الجائز قريبا أن أخذهم بالحالة السابقة لا لأجل أنها حالة سابقة بل لأجل رجاء تحصيل الواقع مرة، أو لأجل الاحتياط أخرى، أو لأجل اطمئنانهم ببقاء ما كان ثالثة، أو لأجل ظنهم بالبقاء و لو نوعا رابعة، أو لأجل غفلتهم عن الشك أحيانا خامسة. و إذا كان الأمر كذلك فلم يحرز تعبد الشارع بالحالة السابقة الذي هو النافع في المقصود.
و الجواب: إن المقصود النافع من ثبوت بناء العقلاء هو ثبوت تبانيهم العملي على الأخذ بالحالة السابقة، و هذا ثابت عندهم من غير شك، أي: أن لهم قاعدة عملية تبانوا عليها و يتبعونها أبدا مع الالتفات و التوجه إلى ذلك، أما فرض الغفلة من بعضهم أحيانا فهو صحيح و لكن لا يضر في ثبوت التباني منهم دائما مع الالتفات، و لا يضر في استكشاف مشاركة الشارع معهم في تبانيهم اختلاف أسباب التباني عندهم من جهة مجرد الكون السابق، أو من جهة الاطمئنان عندهم، أو الظن لأجل الغلبة، أو لأي شيء آخر من هذا القبيل، فهي قاعدة ثابتة عندهم فتكون ثابتة أيضا عند الشارع، و لا يلزم أن يكون ثبوتها عنده من جميع الأسباب التي لاحظوها، و إذا