المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٨٦ - ٢- شروط التعارض
و على هذا، يمكن تحديد الضابط للتعارض بأن يقال:
الضابط في التعارض: امتناع اجتماع مدلوليهما في الوعاء المناسب لهما إما من ناحية تكوينية أو من ناحية تشريعية.
أو يقال بعبارة جامعة: الضابط في التعارض: تكاذب الدليلين على وجه يمتنع اجتماع صدق أحدهما مع صدق الآخر.
و من هنا يعلم: إن التعارض ليس وصفا للمدلولين كما قيل، بل المدلولان يوصفان بأنهما متنافيان لا متعارضان، و إنما التعارض وصف للدليلين بما هما دليلان على أمرين متنافيين لا يجتمعان، لأن امتناع صدق الدليلين معا و تكاذبهما إنما ينشأ من تنافي المدلولين.
و لأجل هذا قال صاحب الكفاية: «التعارض هو تنافي الدليلين أو الأدلّة بحسب الدلالة و مقام الإثبات». فحصر التعارض في مقام الإثبات و مرحلة الدلالة (١).
(١) قال السيد محمد باقر الصدر (قدس سره): إن التعارض بين دليلين لفظيين عبارة عن التنافي بين مدلولي الدليلين، على نحو يعلم بأن المدلولين لا يمكن أن يكونا ثابتين في الواقع معا، و لأجل تحديد مركز هذا التنافي نقدم مقدمتين:
الأولى: يجب أن نستذكر فيها ما تقدم من أن الحكم ينحل إلى جعل و مجعول، و أن الجعل ثابت بتشريع المولى للحكم، و إن المجعول لا يثبت إلّا عند تحقق موضوعه و قيوده خارجا، و من الواضح: أن الدليل الشرعي اللفظي متكفل لبيان الجعل لا لبيان المجعول، لأن المجعول يختلف من فرد إلى آخر فهو موجود في حق هذا، و غير موجود في حق ذاك تبعا لتواجد القيود، فقوله مثلا: لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا مدلوله: جعل وجوب الحج على المستطيع لا تحقق الوجوب المجعول، لأن هذا تابع لوجود الاستطاعة، و لا نظر للمولى إلى ذلك، فمدلول الدليل دائما هو الجعل لا المجعول.
و الثانية: أن التنافي قد يكون بين جعلين، و قد يكون بين مجعولين مع عدم التنافي بين الجعلين، و مثال الأول: جعل وجوب الحج على المستطيع، و جعل حرمة الحج على المستطيع، فإن التنافي هنا بين الجعلين، لأن الأحكام التكليفية متضادة كما تقدم. و مثال الثاني: جعل وجوب الوضوء على الواجد للماء و جعل وجوب التيمم على الفاقد له، فإن الجعلين هنا لا تنافي بينهما إذ يمكن صدورهما معا من الشارع، و لكن المجعولين لا يمكن فعليتهما معا لأن المكلف إن كان واجدا للماء ثبت المجعول الأول عليه، و إلّا ثبت المجعول الثاني، و لا يمكن ثبوت المجعولين معا على مكلف واحد في حالة واحدة. و قد لا يوجد تناف بين الجعلين و لا بين المجعولين، و لكن التنافي في مرحلة امتثال الحكمين المجعولين بمعنى:
إنه لا يمكن امتثالهما معا، و ذلك كما في حالات الأمر بالضدين على وجه الترتب، بنحو يكون الأمر بكل من الضدين- مثلا- مقيدا بترك الضد الآخر، فإن بالإمكان صدور جعلين لهذين الأمرين معا،