المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٠ - ٦- المناط في إثبات حجية الأمارة
و في هذه الآية الأخيرة بالخصوص قد جعل ما أذن به أمرا مقابلا للافتراء عليه، فما لم يأذن به لا بدّ أن يكون افتراء بحكم المقابلة بينهما، فلو نسبنا الحكم إلى الله تعالى من دون إذن منه فلا محالة يكون افتراء محرّما مذموما بمقتضى الآية. و لا شك في: أن العمل بالظن و الالتزام به على أنه من الله و مثبت لأحكامه يكون من نوع نسبة الحكم إليه من دون إذن منه، فيدخل في قسم الافتراء المحرّم.
و على هذا التقرير، فالقاعدة تقتضي: إن الظن بما هو ظن لا يجوز العمل على مقتضاه و لا الأخذ به لإثبات أحكام الله مهما كان سببه؛ لأنه لا يغني من الحق شيئا، فيكون خرصا باطلا، و افتراء محرّما.
هذا مقتضى القاعدة الأولية في الظن بمقتضى هذه الآيات الكريمة، و لكن لو ثبت بدليل قطعي و حجة يقينية أن الشارع قد جعل ظنا خاصا من سبب مخصوص طريقا لأحكامه، و اعتبره حجة عليها و ارتضاه أمارة يرجع إليها، و جوّز لنا الأخذ بذلك السبب المحقق للظن، فإن هذا الظن يخرج عن مقتضى تلك القاعدة الأولية، إذ لا يكون خرصا و تخمينا و لا افتراء.
و خروجه من القاعدة يكون تخصيصا بالنسبة إلى آية النهي عن اتّباع الظن (١)، و يكون تخصصا بالنسبة إلى آية الافتراء (٢) لأنه يكون حينئذ من قسم ما أذن الله تعالى به، و ما أذن به ليس افتراء.
و في الحقيقة: إن الأخذ بالظن المعتبر الذي ثبت على سبيل القطع بأنه حجة لا يكون أخذا بالظن بما هو ظن و إن كان اعتباره عند الشارع من جهة كونه ظنا، بل يكون أخذا بالقطع و اليقين، ذلك القطع الذي قام على اعتبار ذلك السبب للظن، و سيأتي أن القطع حجة بذاته لا يحتاج إلى جعل من أحد.
و من هنا يظهر الجواب عما شنع به جماعة من الأخباريين على الأصوليين من أخذهم ببعض الأمارات الظنية الخاصة كخبر الواحد و نحوه، إذ شنعوا عليهم بأنهم أخذوا بالظن الذي لا يغني من الحق شيئا.
(١) و يعبّر عنه بالخروج الحكمي حيث يوجد حكم و هو حرمة العمل بالظن، و خرج من هذا الحكم:
الظن المخصوص، و هي الأمارة التي قام عليها الدليل.
(٢) و يسمى هذا الخروج بالخروج الموضوعي، فموضوع الحرمة هو الافتراء، و حيث إن الظن المخصوص ليس بافتراء فلا حرمة.