المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٢٣ - ب- دليل حجية خبر الواحد من السنة
ب- دليل حجية خبر الواحد من السنة:
من البديهي: إنه لا يصح الاستدلال على حجية خبر الواحد بنفس خبر الواحد فإنه دور ظاهر (١)، بل لا بد أن تكون الأخبار المستدل بها على حجيته معلومة
العادل سواء كانت ضررا على المخبر أم نفعا له، و حينئذ: فإذا أريد من التصديق غير هذا المعنى لم يكن مرتبطا بحجية الخبر، و في المقام حيث أن الآية الشريفة تدل على أنه (صلى الله عليه و آله) أذن خير لجميع المؤمنين، لدلالة الجمع المحلى باللام على العموم، فلا يمكن إرادة جميع الآثار من التصديق، إذ لو أريد منه ذلك لما كان هو (صلى الله عليه و آله) أذن خير لجميع الناس بل أذن خير لخصوص المخبر، مثلا: إذا أخبره شخص بأن بكرا شرب الخمر فإن التصديق المطلوب في حجية الخبر هو ترتيب آثار الصدق على إخباره، بأن يجري على بكر حد شرب الخمر، و من المعلوم: إنه ليس خبرا لبكر، بل هو خير للمخبر فقط، لتصديقه. و يؤيد إرادة هذا المعنى بل يدل عليه: ما عن تفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام) من تعليل تصديق المؤمنين بقوله: «لأنه (صلى الله عليه و آله) كان رءوفا رحيما بالمؤمنين. (تفسير نور الثقلين ج ٢، ص ٢٣٧ الحديث ٢٢٠ عن تفسير العياشي)، حيث أن الرأفة بجميع المؤمنين تنافي قبول قول أحدهم على الآخر، بمعنى: ترتيب الآثار على قوله و إن أنكر المخبر عنه وقوع ما نسب إليه، فمع الإنكار لا بد من تكذيب أحدهما، فلا يكون أذن خير للجميع.
و بالجملة: فالمراد من التصديق بالنسبة إلى المؤمنين هو التصديق الصوري لا التصديق بمعنى: ترتيب جميع آثار الصدق عليه كما هو كذلك بالنسبة إلى الله تعالى، و يؤيده أيضا- كما أفاده الشيخ- بل يشهد له ما في تفسير القمي (قدس سره) من «أنه كان سبب نزولها: أن عبد الله بن نفيل كان منافقا و كان يقعد لرسول الله (صلى الله عليه و آله) فيسمع كلامه و ينقله إلى المنافقين و ينم عليه، فنزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فقال يا محمد: إن رجلا من المنافقين ينم عليك و ينقل حديثك إلى المنافقين، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من هو؟ قال: الرجل الأسود الكثير شعر الرأس ينظر بعينين كأنهما قدران و ينطق بلسان شيطان، فدعاه رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فأخبره، فحلف إنه لم يفعل، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «قد قبلت منك فلا تقعد»، فرجع إلى أصحابه فقال: إن محمدا أذن أخبره الله أني أنم عليه و أنقل أخباره فقبل، و أخبرته إني لم أفعل ذلك فقبل، فأنزل الله على نبيه: وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ... الآية و من المعلوم: أن تصديقه (صلى الله عليه و آله) للمنافق لم يكن بترتيب آثار الصدق عليه مطلقا».
و بالجملة: فبعد ملاحظة هذه القرائن و غيرها لا يبقى مجال لتوهم إرادة التصديق المطلوب في باب حجية الخبر- هو ترتيب جميع آثار الصدق- على المخبر به تعبدا من قوله تعالى: وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فلا تدل هذه الآية أيضا على حجية خبر الواحد» [١].
(١) و بيان الدّور: هو: أن حجية خبر الواحد يتوقف على خبر الواحد، و صحية الاعتماد على الخبر الواحد يتوقف على حجيته، و ما هذا إلّا دور و هو باطل لتوقف الشيء على نفسه.
[١] راجع: منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٤، ص ٤٩٣- ٤٩٤.