بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢٣٢ - (الجهة الثالثة)
على شعر اللحية بمقدار لا يُنافي صدق التوفير والتكثير مما لا قرينة على خلافه ليتحتّم حمله على الاستحباب، فمقتضى الصناعة العمل وفقه.
ثم أنه لو شُكّ في مقدار ما يصدق معه (إعفاء اللحية) فهل يمكن الرجوع إلى أصالة البراءة في المقدار المشكوك أو لا؟
قد يقال أنه لا يصحّ ذلك، لأن المأمور به هو الإعفاء ولا يحصل العلم بالفراغ من التكليف به إلاّ بتطويل الشعر بالمقدار الذي يتيقّن صدق الإعفاء معه، ولا يمكن الاكتفاء بالفرد المشكوك فيه لأن الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني عملاً بقاعدة الاشتغال.
والجواب عنه: إن المعلوم وجوبه ليس هو مفهوم الإعفاء ليُقال أنه مشكوك التحقّق في الخارج، بل ما أُريد بهذا اللفظ، وحيث أن المراد مردّد بين الأقل والأكثر فلا علم لنا إلاّ بالمقدار الأقل، وأما الأكثر فهو مشكوك فيه فيُرجع فيه إلى البراءة.
وبتعبيرٍ آخر: إن عدم جواز التعرّض لشعر اللحيين والذقن ما دام يبلغ كذا مقداراً ـ الذي لولاه لا يصدق الإعفاء قطعاً ـ معلوم، وأما عدم جواز التعرّض له في الزيادة على ذلك المقدار ممّا يُشكّ في دخله في صدق الإعفاء فمشكوك فيه فيُرجع فيه إلى البراءة فتدبّر.
(الجهة الثالثة)
إن الأمر بإعفاء اللحى ورد مقروناً بالأمر بإحفاء الشوارب أو حفوها، وحيث أن هذا استحبابي قطعاً يكون الأمر بالإعفاء محمولاً على الاستحباب أيضاً بقرينة السياق التي دأب الفقهاء على الأخذ بها، ورفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب والنهي في الحرمة بقرينة وقوعهما في سياق الأمر الاستحبابي والنهي التنزيهي.
ويمكن الجواب عن ذلك من وجهين:
(الوجه الأول) : إن كون الأمر بإحفاء الشارب أو حفوه استحبابياً مبني