بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣٥٨ - أ ـ قال تعالى
٢ ـ البراءة الشرعية
ويُقصد بها ترخيص الشارع المقدس في عدم الاعتناء باحتمال التكليف، وقد استدلّ لإثباته بعدد من الآيات الكريمة والروايات الشريفة، ولكن لا يخلو الاستدلال في جميعها من بعض المناقشات، ولعلّ أقوى ما استدلّ به من الآيات قوله تعالى: ((وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)) ومن الروايات حديثي الرفع والحجب، وفيما يلي بيان لبعض الكلام فيها:
أ ـ قال تعالى: ((مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً * وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا *)) [١] .
وتقريب الاستدلال به أن بعث الرسول كناية عن وجود كاشف عن الحكم الإلزامي يكون في معرض الوصول إلى المكلّف، فيكون مفاد الآية المباركة نفي إيقاع العذاب قبل تبليغ الأحكام إلى المكلّفين، فيكون دليلاً على عدم تنجّز الأحكام الإلزامية المحتملة مع إحراز عدم كاشفٍ عنها يكون في معرض الوصول.
ولكن ذكر بعض الأعلام قدس سره أن بعث الرسول إنما يُراد به (صدور البيان) وإن لم يصل إلى المكلّفين، فلا يتمّ الاستدلال بالآية الكريمة فيما نحن بصدده من نفي العقاب مع صدور البيان ما لم يصل إلى المكلّف.
إلاّ أن هذا الكلام غير تامٍّ، فإن مقتضى مناسبة الحكم والموضوع أن يُراد بالرسول البيان الذي يكون في معرض الوصول، أي لو فحص عنه المكلّف لوصل إليه، وأما البيان الذي لا يصل إليه المكلّف فوجوده وعدمه سواء ولا فائدة في التأكيد على نفي العقاب قبل صدوره.
وبتعبيرٍ آخر: إن الآية الكريمة مسوقة لتطمين المكلّفين بعدم معاقبتهم
[١] سورة الإسراء، الآيتان: ١٥ ـ ١٦.