بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣٥٣ - والذين سلكوا هذا المسلك اختلفوا في حدود دائرة مولويّة المولى على اتجاهين
(المسلك الأول): إن استحقاق العقاب إنما هو من جهة الخروج عن أدب العبودية وعدم أداء حقّ المولوية، وأساس ذلك: أن العقل يُدرك أن لله تبارك وتعالى حقّ المولوية الذاتية على الناس من حيث كونه خالقهم وواهب الحياة لهم، ومن مقتضيات هذا الحق هو الائتمار بأمره والانتهاء بنهيه ما لم يرخّص في خلاف ذلك، وإلاّ استحقّ العبد العقوبة بمناط عدم احترام المولى وهتك حرمته لعدم أداء حقّه.
والذين سلكوا هذا المسلك اختلفوا في حدود دائرة مولويّة المولى على اتجاهين:
أ ـ ما يظهر من المعظم من أن حقّ المولوية ثابت للمولى في خصوص ما يقطع المكلّف به من التكاليف أو يقوم كاشف معتبر آخر غير القطع على ثبوتها، وأما في موارد الشكّ في ثبوت التكليف فلا يرى العقل أن من وظيفة العبد امتثال التكليف المشكوك، بحيث يُعدّ تركه هتكاً للمولى وخروجاً عن زيّ العبوديّة.
نعم إذا ألزم المولى عبيده بالاعتناء باحتمال التكليف الإلزامي لزمهم ذلك وعدّ تركه خروجاً عن أدب العبودية، وأما من دون ذلك فليس العبد ملزماً بالانبعاث من احتمال الأمر ولا الانزجار من احتمال النهي، فمعاقبته على مخالفة التكليف المحتمل يُعدّ ظلماً عليه وهو قبيح ينزّه عنه المولى.
والظاهر أن هذا هو أساس موقف المستدلّين بقاعدة قُبح العقاب بلا بيان في مفروض البحث، فإن مرجعها إلى أن حقّ المولى على العبد في التحرّك محدود بما إذا أحرز وجود التكليف الإلزامي أو تمّ إبلاغه من قِبل المولى بلزوم الحركة وفق احتمال وجود التكليف ـ فإن المراد بالبيان الأعم من ذلك كلّه ـ فيقبح عقابه لو خالف التكليف الواقعي من دون أن يبيّن له بأحد النحوين.
وهذا الاتجاه يقتضي من جهة عدم لزوم الاحتياط في موارد الشبهات البدوية للأحكام الإلزامية، ويقتضي من جهة أخرى ـ كما يرى البعض ـ