بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ١٨٥ - تمهيد
وأخيراً تجرّأ أحدهم فأوّل بعض الأحكام المنصوص عليها في القرآن الكريم زاعماً: (إن الخمار إنما فُرض على المسلمات في زمن النبي ٦ كي يعرفن ويميّزن به عن اللواتي لا يتقيّدن بما تتقيّد به النساء المسلمات من عفّة بسبب اهتدائهن إلى الإسلام يومئذٍ، أما الآن وبعد زوال هذه الحالة حالة وجود مسلمات في وسط اجتماعي مختلط فإنه من المعقول زوال وجوب الخمار لزوال السبب) [١] !!
ومن الغريب أن بعض من هوّن من شأن ما ورد في النصوص بخصوص الزيّ والتجمّل ونحوهما هو ممّن كان على علمٍ تامٍّ بأهميّة هذه الجوانب في ثبات المسلم على مبادئه وأخلاقه وعدم تأثّره بعقائد الآخرين وأخلاقهم، حيث أقرّ بأن كثيراً من الذين يتركون أزياءهم من المسلمين ويلبسون الزيّ الإفرنجي يتهاونون بأُمور الدين ويتجرأون على الفسق والفجور، وإن اختلاف الزي كان من أسباب ضعف الرابطة المليّة والقوميّة [٢] .
وقال آخر: إن النبي ٦ كان شديد الحرص على تميّز المسلمين عن غيرهم في شخصيتهم الظاهرة وبذلك يحتفظون بتميّزهم في الشخصية الباطنة فلا تقترب العقائد من العقائد ولا الأخلاق من الأخلاق ولا التقاليد من التقاليد، ذلك أن التشابه في الأُمور الظاهرة سبيل لمسارقة النفوس للتشابه في الأُمور الباطنة [٣] .
ثم إنه قد برز إلى جانب هذا الاتّجاه الذي تبنّى نوعاً من (التأويل أو التحريف) في الأحكام الشرعيّة اتّجاه آخر تبنّى (التجزئة والتفريق) فيها وذلك وفق مقولة: ((نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ)) [٤] كما ورد في الكتاب
[١] هكذا تكلم العقل ص١٥١.
[٢] فتاوى محمد رشيد رضا ج٤ ص١٥١٥.
[٣] الفتاوى لمحمود شلتوت ص٣٨٩.
[٤] سورة النساء، الآية: ١٥٠.