بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣٥٧ - وهنا اتجاهان أيضاً
المولى التحرّك وفقه مطلقاً فليس مما يحكم العقل بالاعتناء به.
وليس في تحديد حقّ المولوية بما ذُكر تنقيص من مولوية المولى ـ كما أفيد ـ بل مولويّته تامة، إذ بإمكانه أن يطلب من العبد التحرّك وفق احتمال التكليف مطلقاً، فيلزم العبد ذلك وإلاّ عُدّ خارجاً عن أدب العبودية ـ كما مرّ ـ وإنما لا يجب على العبد ذلك لو خُلّي وعقله ما لم يكن احتمال التكليف على أحد النحوين المتقدّمين.
هذا بناءً على أن استحقاق العقوبة بالمخالفة إنما هو من مدركات العقل العملي.
وأما إذا كان من مدركات العقل النظري بتحليل الحكم المولوي نفسه فلا يختلف الحال عمّا ذُكر، فإن ما يندمج في الوجوب والتحريم من الحكم الجزائي يختصّ بمخالفة التكليف المكشوف، ويلحق به التكليف المحتمل على أحد الوجهين المار ذكرهما آنفاً لا كلّ تكليف محتمل.
وأما ما أفيد من أن ملاك جعل المولى للعقوبة على المخالفة غير معلوم عندنا فلا يسعنا تحديد موضوعه فغير تامٍّ، لأنه يمكن معرفة موضوع الحكم الجزائي من خلال تحليل الحكم المولوي نفسه ولا حاجة إلى معرفة الملاك المستند إليه.
كما أن ما أفيد من أن العبد لما كان مخلوقاً للمولى ومملوكاً له فله أن يتصرّف به كيفما يشاء ولا يُعدّ ذلك ظلماً لأنه لا حقّ له عليه غير تامٍّ أيضاً، فإن الإيذاء من غير تقصير إذا لم يكن لمصلحة أهمّ قبيح وإن كان من الخالق للمخلوق.
فتحصّل مما مرّ تمامية دليل العقل على البراءة في موارد احتمال التكليف إلاّ إذا كان الاحتمال قوياً من جهة دعمه بالقرائن والشواهد أو كان المحتمل مُحرَزاً بالغَ أهميّته على تقدير ثبوت التكليف.