بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣٥٦ - وهنا اتجاهان أيضاً
وعلى ذلك فاستحقاق العقوبة على مخالفة الأحكام المولويّة هو من مدركات العقل النظري بتحليل الحكم المولوي نفسه، وحدود الموضوع للحكم الجزائي معلومة للعقل، ومقتضى ذلك عدم لزوم الاحتياط عقلاً في موارد الشبهات البدوية للتكاليف الإلزامية إلاّ إذا كان المحتمل مُحرز الأهمية كما مرّ.
هذه أهم وجهات نظر الأعلام فيما يتعلّق بحكم العقل في هذه المسألة، ويمكن أن يقال:
إن استحقاق العقوبة على مخالفة التكاليف الإلزامية إن كان من مدركات العقل العملي من جهة عدم أداء حق المولوية كما يراه أصحاب المسلك الأول فهو لا يعمّ جميع التكاليف المحتملة، لأن الأساس في ثبوت حقّ المولوية هو ما يُدركه العقل بالفطرة من وجوب شكر المنعم حيث أن الله تعالى هو خالق العبد وواهب نعمة الحياة له فيجب عليه شكره، ولكن ليس من مقتضيات وجوب شكر المنعم الإتيان بكلّ ما يُحتمل كونه مطلوباً له والاجتناب عن كلّ ما يُحتمل كونه مبغوضاً له، بل يختص ذلك بما يصل مطلوبيّته أو مبغوضيّته إلى المنعم عليه، ويُلحق به ما يُحتمل فيه ذلك في إحدى حالتين:
١ ـ أن يكون احتمال مطلوبيّته أو مبغوضيّته مدعوماً بقرائن وشواهد تورث الظن القوي وإن لم يبلغ درجة الاطمئنان.
٢ ـ أن يحرز كونه بالغ الأهمية عند المولى على تقدير تعلّق التكليف به وإن لم يكن احتمال تعلّقه به قوياً.
ففي هاتين الحالتين يجب التحرّك وفق احتمال التكليف ما لم يرخّص المولى في تركه كما يجب التحرّك وفق احتمال التكليف مطلقاً لو طلب ذلك المولى.
وأما الاحتمال البدوي للتكليف من دون أن يُدعم بقرائن قويّة أو يُحرز بالغ أهمية المحتمل عند المولى على تقدير ثبوت التكليف أو يطلب