بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣٤٨ - (الوجه الثاني)
للحياة فيها قطعاً، وهذه السيرة وإن لم تُطبّق في عصر المعصومين : في مجال أخذ الفتاوى من الفقهاء المتوفّين ابتداءً إلاّ بصورةٍ محدودة جداً مما لا يمكن معه استكشاف الإمضاء الشرعي لها من جهة عدم وصول الردع عنها إلينا كما مرّ، ولكن مع ذلك يمكن القول بأن النكتة التي بلحاظها يتيسّر استكشاف إمضاء الشارع المقدس للسيرة العقلائية الممتدة إلى الأمور الشرعية بصورة موسّعة هي ذاتها التي تقتضي في المقام موافقة الشارع المقدس على الأساس الذي قامت عليه السيرة العقلائية في رجوع الجاهل إلى العالم، وهو كما سبق كاشفيّة رأي العالم عن الواقع نوعاً بلا فرق بين كونه حياً أو ميتاً.
وتوضيح الحال في ذلك: إن من المقرر في محلّه من علم الأصول أن الوجه في استكشاف إمضاء الشارع المقدس للسيرة العقلائية الممتدة إلى الأمور الشرعية بمجرّد عدم ردعه عنها هو أن تشريعه للأحكام لمّا كان لغرض تأمين الملاكات الكامنة في متعلّقاتها، فلو فُرض أن فيما بنى عليه العقلاء في أمورهم العادية مما يُجرونه بحسب الطبع والعادة في الأمور الشرعية ما لا يرتضيه الشارع المقدّس لمنافاته مع تحقيق الملاكات المولويّة فلا بدّ له تأميناً لتلك الملاكات من ردع العقلاء عن إجرائه في الأمور الشرعية وإلاّ يكون مخلاًّ بملاكات أحكامه وهو ممتنع في حقّه.
وهذا البيان كما يقتضي قيامه بالردع عمّا لا يرتضي امتداده إلى الأمور الشرعية من السيرة العقلائية مما يمتدّ إليها في عصره بمقتضى الطبع والعادة لولا ردعه عن ذلك، كذلك يقتضي ردعه عمّا يعلم امتداده إليها في المستقبل لئلاّ تقع الأجيال القادمة في محذور مخالفة الملاكات المولوية.
ففي محلّ البحث إذا كان الشارع المقدّس لا يرتضي للمسلمين الرجوع الابتدائي إلى فتاوى الفقهاء غير الأحياء فهذا الأمر وإن لم يكن موضعاً لابتلائهم بصورة موسعة في العصر الإسلامي الأول، إلاّ أنه لما كان من المتوقّع أن يتسع الابتلاء به مستقبلاً حيث تتوفّر وسائل الضبط والتحرير مما يسهل معه الاطلاع على فتاوى الماضين، ومن الطبيعي عندئذٍ