بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢٣٣ - (الجهة الثالثة)
على أن يكون المراد بالإحفاء أو الحفو الاستئصال أو ما يقرب معناه، حيث يتعيّن على هذا التقدير أن يُحمل الأمر به على الاستحباب لوضوح عدم وجوبه، ولكن تفسير الحفو أو الإحفاء بالاستئصال ونحوه ليس صحيحاً بل معناه ـ كما سيأتي في البحث اللاحق ـ هو التقليل من الشارب في مقابل إعفاء اللحية الذي هو بمعنى تكثيرها كما مرّ، ويحصل التقليل بقصّ ما جاوز منه طرف الشفّة العليا، ولا دليل على عدم وجوبه على ما سيأتي، وقد احتاط عدد من الفقهاء ـ منهم العلاّمة المجلسي الأول والمحقق النائيني قدس سرهما ـ بعدم تطويل الشارب وفتله، وعلى ذلك فلم يثبت كون الأمر بالحفو أو الإحفاء استحبابياً ليُدّعى أن مقتضى وحدة السياق أن يكون الأمر بالإعفاء كذلك.
(الوجه الثاني) : إنه لو سُلّم أن الأمر بحفو الشارب أو إحفائه محمول على الاستحباب، إلاّ أن حمل الأمر بالإعفاء على الاستحباب استناداً إلى قرينة السياق غير صحيح من جهتين:
(الأولى) : ما يُستفاد من كلمات السيد الأُستاذ قدس سره في بعض نظائر المقام وحاصله: إن قرينية السياق لو سُلّمت فهي لا تنطبق على الموارد التي تكون كل من الفقرتين الواردتين في النص جملة مستقلة برأسها، إذ لا مانع من إرادة الوجوب من إحداهما والاستحباب من الأُخرى بعد تغايرهما موضوعاً ومحمولاً، ومجرّد الاجتماع في كلام واحد لا يستوجب الاتحاد في الحكم، وحديث السياق مورده ما إذا كان هناك حكم واحد لموضوعين في جملة واحدة مثل قوله: (اغتسل للجمعة وللجنابة) لا مثل المقام حيث ورد الأمر بإحفاء الشارب مقروناً بالأمر بإعفاء اللحية [١] .
(الثانية) : ما ذكره قدس سره في المقام وفصّله في بعض بحوثه الأخرى وهو: إن قرينيّة السياق غير تامة من أصلها، والوجه في ذلك أن الوجوب والحرمة في مقابل الاستحباب والكراهة ليسا من مداليل الألفاظ وإنما
[١] لاحظ مستند العروة الوثقى كتاب الصلاة ج٢ ص٤١٦ وج٥ ق٢ ص٢٤٠.