بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٤١٣ - أما على المسلك الأول ـ وهو الذي تبنّاه السيد الأستاذ قدس سره
(الوجه الأول) : إن احتمال التكليف في مفروض البحث ليس من قبيل الاحتمال قبل الفحص، بل من قبيل الاحتمال بعده، وذلك لأحد أمرين:
أ ـ إن إحجام الفقيه عن الفتوى بالحكم الإلزامي يعني أنه لما قام بالفحص عمّا يُحتمل كونه دليلاً عليه لم يعثر على شيءٍ مقنعٍ له، ولكنه لما لم يشأ الفتوى بالحكم الترخيصي وفقاً للأصل العملي تورّعاً أو لئلاّ يخالف المشهور أو لنحو ذلك اكتفى ببيان طريقة الاحتياط.
وعلى ذلك فلا يوجد ما يمنع من رجوع المكلّف إلى أصالة البراءة ونحوها، فإن ما لا يجوز له هو الاستقلال في إجراء الأصل الحكمي من دون الرجوع إلى الفقيه في تمييز مجراه والاعتماد عليه في خلوّ المسألة عن الدليل على الحكم الإلزامي، وإلاّ فلا مانع من إجرائه له.
ولكن هذا الكلام ليس صحيحاً والوجه في ذلك:
إن الاحتياطات الوجوبية في الكتب الفتوائية على قسمين:
١ ـ الاحتياطات الصورية، والمقصود بها الاحتياطات التي ليست ناشئة من تردّد الفقيه في المسألة، حيث أنه قد اختار فيها رأياً قد اقتنع به فيما بينه وبين الله تعالى، إلاّ أنه يمتنع عن إبدائه إما تحرّجاً عن تحمّل مسؤولية عمل العاملين به فإن المفتي يتحمّل هذه المسؤولية العظيمة، أو لكونه خلاف المشهور ولا يريد لنفسه مخالفتهم مهما أمكن، أو لكونه حكماً شاقّاً وسائر الفقهاء يفتون بخلافه، فلا يريد إيقاع المكلّفين في المشقّة بهذه الفتوى، أو لنحو ذلك من الأعذار.
وحيث أن الإفتاء ليس واجباً عينياً بل ليس واجباً أصلاً في آحاد المسائل وإن قيل إنّ أصل الاجتهاد واجب كفائي، فلا حرج على الفقيه في عدم إبداء نظره.
ولكن إذا اتفق أن اطّلع المكلّف على رأيه فلا بدّ من العمل به، إذ الحجّة على المكلّف في باب الفتاوى هو نظر المجتهد ورأيه لا إخباره، وليس ذلك مثل الحكم في باب القضاء ونحوه الذي هو من قبيل الإنشاء