بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣٤٦ - و (الجواب عنه) إن ما كان يقع في زمن المعصومين
وإذا كانت هذه هي سيرة المتشرّعة المعاصرين للنبي والأئمة المعصومين : فلا يخلو الحال من أنهم إما قد تلقّوا السير وفق هذا المنهج من المعصومين : أنفسهم أو أنهم قد جروا في ذلك وفق المنهج العقلائي العام في رجوع الجاهل إلى العالم من دون أن يواجهوا ردعاً عنه من قبل المعصومين :.
فعلى كلا التقديرين تثبت مشروعية العمل وفق فتاوى الفقهاء المتوفّين وإن كان الرجوع إليهم ابتدائياً.
و (الجواب عنه): إن ما كان يقع في زمن المعصومين : من الرجوع الابتدائي إلى فتاوى الفقهاء المتوفّين لا يمكن التأكد من استناده إلى ما صدر من المعصومين : من قول أو فعل، وكونه من الأمور المتلقّاة عنهم ليحكم بمشروعيته على أساس حجّية السيرة المتشرعية، بل يحتمل أنه كان مما يقع من المتشرّعة جرياً على المنهج العقلائي العام في رجوع الجاهل إلى العالم بلا فرق بين أن يكون العالم حياً أو ميتاً.
هذا من جانب ومن جانب آخر لا يبعد القول بأن موارد الرجوع الابتدائي إلى فتاوى غير الأحياء كانت جدّ محدودة في عصر المعصومين : ، فإن الفتاوى لم تكن تصدر في الغالب إلاّ مشافهةً ولم تكن تُحرر وتُضبط بالكتابة إلاّ بصورة محدودة، ومعظم الكتب المؤلفة في ذلك العصر كانت تحتوي على الروايات والنصوص المروية عن الأئمة : وقلّما كان يتخلّلها شيء من الفتاوى الاجتهادية.
بالإضافة إلى أن معظم من كانوا يمارسون الفقه لم يكونوا إلاّ نقلةً للفقه المأخوذ من الأئمة : إما مباشرة أو بواسطة الآخرين من دون إعمال نظر واجتهاد في تطبيق الأصول على الفروع وغير ذلك من ضوابط الاستنباط التي يمارسها المجتهدون.
ونتيجة ذلك أن أكثر ما كان يُتناقل من الأحكام الفقهيّة على ألسنة الناس ويحكيها الآباء للأولاد والأجداد للأحفاد لم تكن من قبيل الفتاوى