بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ١٠٠ - ١ ـ لمحة من تاريخ صناعة الحديد
وفي مقابلها الرخاوة والهشاشة وسرعة الانكسار وغير ذلك من المميّزات والصفات، وكان اختلافها ناشئاً من اختلاف ما كان يُجرى على المستحصل من خاماته من معالجات تعدينية لاستخلاصه من شوائبه المسمّاة بـ (الخبث) وكذلك اختلاف ظروف تبريده التي أثبتت الدراسات الحديثة أنها تعطي الخصائص النهائية للمنتج.
فإذا لاحظنا على سبيل المثال السيوف وهي أهم ما كان عند العرب من المصنوعات الحديدية نجدها متفاوتة فيما حُكي عنها من المواصفات، فكان منها الصلب المتين الذي لا يُلوى ولا يُكسر كسيف ذي الفقار والصمصامة وغيرهما، إلى جنب سيوف أخرى كان بعضها يكسر إذا اصطدم بجسم صلب كالسيوف التي جيء بها إلى هارون الرشيد فدعا بالصمصامة فقطعها بها سيفاً سيفاً كما يُقطع الفِجل، وكان البعض الآخر يُلوى وتنثني شفرته إذا تعرّض للاصطدام بجسمٍ صلب.
ومن ذلك يمكن أن يُستكشف أن أنواع الحديد التي كان يُتداول استخدامها في الحضارة العربية الإسلامية كانت متقاربة في الصفات والمميّزات لأهم أنواع الحديد الموجود في العصر الراهن وهي الحديد الصلب والحديد الزهر والحديد المطاوع وإن لم تكن مطابقة لها في الخصائص الكيميائية ولم يكن تتبّع في تصنيعها الأنظمة المتوفّرة اليوم.
ومهما يكن فمن المعلوم أن صناعة الحديد قد تطوّرت في القرون الأخيرة على يد الأوربيين بعد اختراع القدرة المائية في القرن الرابع عشر الميلادي الذي أدّى إلى توفير تيارات الهواء اللازمة للنفخ في الأفران مما أمكن معه الحصول على درجات حرارة أعلى، ثم تمثّلت مرحلة التطوّر التالية في أن استبدل بالفحم النباتي فحم الكوك كعامل لاختزال أكسيد الحديد فتيسّر بناء أفران ذات مداخن عالية تعمل بكفاءة أكبر، وهكذا توالت التطورات إلى أن أصبحت صناعة الحديد اليوم من أرقى الصناعات تتحكّمها أنظمة علميّة غاية في الدقّة والتقدّم.