بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢٤٨ - (الجهة الرابعة)
وبالجملة: إن ما ورد في نهج البلاغة في تفسير قوله ٦ : ((غيّروا الشيب ولا تشبّهوا باليهود)) لا يقتضي أن يكون المقصود هو حرمة التشبّه باليهود في ترك استخدام الخضاب تمييزاً للمسلمين عنهم مع قلّة أعداد المسلمين، حتى يُقاس عليه قوله ٦ : ((إحفوا الشوارب واعفوا اللحى ولا تشبّهوا بالمجوس)) ويقال أن المقصود هو حرمة التشبّه بالمجوس في إعفاء الشارب وحلق اللحى ليتميز عنهم المسلمون في إبّان قلّتهم.
و (ثالثاً): إنه يمكن أن يقال أنّ أصل ما ورد في نهج البلاغة منسوباً إلى أمير المؤمنين ٧ في تفسير قوله ٦ : ((غيّروا الشيب ولا تشبّهوا باليهود)) مما يصعب الوثوق بصحّته، لأن مقتضاه أن لا يكون استعمال الخضاب لتغيير الشيب أمراً مستحباً ومندوباً إليه في الشرع الحنيف، مع أن هذا خلاف ما أطبقت عليه النصوص المتضافرة المروية عن أئمّة أهل البيت : بل من طرق الفريقين جميعاً.
وتوضيح ذلك: أنه قد ورد في بعض الروايات أن النبي ٦ قد أمر المسلمين باستعمال الخضاب في بعض حروبه مع الكفار [١] لكن من المؤكد أنه ٦ لم يكن قد أوجبه عليهم في جميع الأوقات، وإلاّ لنقل التزام المسلمين به إتّباعاً لأمره المطاع مع أن المحكي عنهم خلاف ذلك [٢] .
وعليه فلا يُحتمل أن يكون الأمر بالخضاب في قوله ٦ : ((غيّروا الشيب ولا تشبّهوا باليهود)) غير المختص بحال الحرب مسوقاً للوجوب والإلزام بل للندب والاستحباب.
وعلى ذلك فمقتضى ما ورد في تفسيره منسوباً إلى الإمام ٧ هو نفي استحبابه بعنوانه ليبقى عاماً لجميع الأزمنة، بل استحبابه من حيث كونه موجباً لمهابة المسلمين في أعين الكفّار، فكان استحبابه مختصّاً بأوائل
[١] الوسائل ج١ ص٤٠٤ ح٢.
[٢] لاحظ المصنف لابن أبي شيبة ج٦ ص٥٥.