بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٤١٧ - أما على المسلك الأول ـ وهو الذي تبنّاه السيد الأستاذ قدس سره
ويُلاحظ على هذا الكلام أولاً: بأن المؤثّر في الحكم بفسق المتجرّي هو أصل كون التجرّي قبيحاً وحراماً عقلاً، لا استحقاق العقاب عليه، فإن ما يوجب الفسق ليس سوى ارتكاب الحرام العقلي أو الشرعي، وأما استحقاق العقاب عليه فلا أثر له في ذلك كما لعلّه واضح.
وثانياً: إنه لا معنى للتفكيك بين قبح الظلم واستحقاق العقاب عليه، فإذا كان العقل يحكم بقبح العصيان أو التجرّي من حيث كونه ظلماً فهو يحكم أيضاً باستحقاق العاصي ومن بحكمه للعقاب الأخروي ولكن بشرط أن يترتّب عليه غرض صحيح، واحتمال وجود مثل هذا الغرض مما لا يُنكر ـ كأن يكون هو من مقتضيات المصلحة النوعية في دار الآخرة ـ وعليه فلا مؤمِّن للمكلّف عن العقوبة المحتملة في مورد التجرّي إلاّ بالتجنّب عنه، فهو ملزَم بذلك بحكم العقل دفعاً للضرر المحتمل.
فاتضح مما تقدّم أنه بناءً على حرمة التجرّي عقلاً لا محيص من الالتزام بأن مخالفة الاحتياط اللزومي من غير عذرٍ توجب الفسق [١] ، إلاّ إذا استند المكلّف في ذلك إلى أصالة البراءة ونحوها من الأصول الترخيصية في موارد جريانها بعد التأكّد من عدم الدليل على الحكم الالزامي كما عرفت.
هذا كلّه بناءً على حرمة التجرّي.
[١] ولكن ربما يُستشكل في أصل هذا المسلك بأن كون التجرّي بمخالفة التكليف المقطوع أو المحتمل تمرّداً على المولى وخروجاً عن زيّ العبودية مبني على حكم العقل بأن للمولى بالإضافة إلى حقّه في تشريع الأحكام الإلزامية ـ أي جعل التكاليف مع الوعيد على المخالفة ـ حقًّا أن يتحرّك العبد وفق ما يقطع به أو يحتمله من التكليف الإلزامي وإن لم يكن هناك تكليف في الواقع بحيث يعدّ مع عدم التحرّك ظالماً للمولى وغير مؤدٍّ لحق المولوية.
ولكن هذا لا دليل عليه من برهان أو وجدان، ولذلك كان الصحيح عدم حرمة التجرّي وكونه مماثلاً لقصد ارتكاب الحرام في مجرّد الكشف عن سوء سريرة العبد فتدبر.