بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢١٧ - مواقف المحدثين من علماء الجمهور وكتّابهم
(أقول): يُلاحظ أن بعض هؤلاء أراد أن يجعل من الأمر بمخالفة المشركين والمجوس عقيب الأمر بالإعفاء قرينة على كونه مسوقاً لمجرّد الإرشاد إلى ما يتميّز به المسلمون عن الكفار، في حين رأى بعضٌ آخر أن الأمر بمخالفة المشركين والنهي عن التشبّه بالمجوس قرينة على إرادة الوجوب من الأمر بالإعفاء، فناقش فيه البعض بأنه إنما تحرم مشابهة الكفار فيما يُقصد به التشبّه في خصائصهم الدينية لا مطلقاً، واستشهد بعضهم على عدم حرمة التشبّه مطلقاً بما ورد من الأمر بتغيير الشيب خلافاً للكفار مع عدم وجوبه بالسيرة والإجماع.
ولكن سيأتي إن شاء الله تعالى أن الأمر بإعفاء اللحية ظاهر في حدّ ذاته في الوجوب، وليس من جهة تعقّبه بالأمر بمخالفة المشركين أو النهي عن التشبّه بالمجوس، كما لا قرينة في التعقيب بهما على كون الأمر لغير الوجوب فلاحظ.
٤ ـ قال صالح الورداني: إن الفقهاء اعتبروا قول الرسول: ((وفّروا اللحى)) و ((اعفوا اللحى)) أمراً والأمر واجب امتثاله ومخالفته يعني الوقوع في الحرمة وبالتالي دخلت اللحية دائرة التشريع وحمل الرسول أمر تبليغ حكمها للأُمة.
وإذا كان الرسول قد بلّغ الأُمة أمر اللحية عن طريق الوحي فأين هي الإشارات القرآنية التي تدعم هذا الأمر، وما دامت لا توجد نصوص قرآنية تدعم أمر اللحية فإن هذا يعني أن أمرها من إضافات الرسول، وإذا كان الفقهاء قد باركوا هذا الأمر فإن هذا يعني أيضاً أنهم قد أدخلوا الرسول دائرة التشريع، فإن أقرّوا بغير ذلك فمعنى هذا أن مسألة اللحية لا صلة لها بحدود الشرع وهي لا تخرج عن كونها عادة وليست عبادة، وعادة إطلاق اللحى كانت شائعة في الجاهلية عند العرب وكل ما فعله الرسول هو أنه أقرّ هذه العادة.
ولم يكتف الورداني بما تقدّم، بل اتهم الرواة باختلاق الروايات