بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢١٨ - مواقف المحدثين من علماء الجمهور وكتّابهم
الدالّة على حرمة حلق اللحية واتّهم الفقهاء بمباركة هذا الاختلاق قائلاً: لقد تجاوز الرواة الحدود في نسبة التحريم للرسول حتى في السلوكيات والعادات والأعراف التي يكون نسبة التحريم إليها مصادماً للفطرة والعقل، فهم قد نسبوا إلى الرسول تحريم حلق اللحية.. واخترعوا لها الروايات لشغل الأُمة بالشكليات وإبعادها عن الاهتمام بجوهر الدين حتى يفسحوا الطريق أمام الحكّام، ثم جاء الفقهاء فاشتقّوا لها الأحكام وضخّموها لأن مثل تلك الأُمور كانت شغلهم الشاغل في ظل واقعٍ عُزل فيه الإسلام عن دوره وجوهره [١] .
(أقول): هذا الكلام يتضمّن أموراً خطيرة تمسّ أُسس الفقه الإسلامي:
أحدها: أنه لا يثبت حكم شرعي إلاّ إذا كان إليه إشارة قرآنية! وهذا يعني التخلّي عن عشرات الأحكام الفقهيّة المسلّمة عند جميع المسلمين لأنه لا توجد في الكتاب المجيد إشارات إليها، وكأنه لم يثبت أن سنّة المصطفى ٦ ـ إلى جنب القرآن الكريم ـ مصدر أساس للتشريع الإسلامي.
ثانيها: إن ورود التحريم فيما يتعلّق بالسلوكيات والعادات والأعراف مصادم للفطرة والعقل!، ولا يُفهم لماذا لا يقبل العقل والفطرة ورود حكم شرعي في هذه المجالات؟! وكيف يوجّه إذاً ورود عشرات الأحكام الإسلامية في الكتاب والسنّة فيما يخصّ المأكل والمشرب والملبس وجميع ما يدخل في نطاق السلوكيات والأعراف والعادات؟
ثالثها: اتهام الرواة بوضع الروايات الدالّة على التحريم فيما سمّاه بـ (الشكليّات) لغرض إبعاد الأُمة عن جوهر الدين، وهذا يهدم أساس الاعتماد على الروايات بصورة عامة، فإن رواة الأحكام الخاصة بـ (الشكليات) هم أنفسهم رواة ما يتعلّق من السنّة النبوية بما سمّاه بـ (جوهر الدين) فكيف يُكذّبون في تلك ويُصدّقون في هذا؟!
[١] دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص١٦٤ ـ ١٦٢ بتصرف.