بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٤٣
(الوجه الرابع) : ـ وهو العمدة ـ أن الإجماع الذي يمكن أن يُتوصّل من خلاله إلى الاطمئنان بالحكم الشرعي هو ما يتوفّر فيه شرطان:
١ ـ أن يكون إجماعاً لفقهائنا المتقدّمين الذين عاصروا الأئمة المعصومين : ومن قربوا من عصرهم ـ وقد عدّ النجاشي ما يناهز خمسين منهم في كتابه المعروف بـ (الرجال) ـ وأما الفقهاء المتأخّرون فإنما يصلح اتفاقهم للاستيناس والتأييد فقط.
٢ ـ أن لا يكون بأيدينا من النصوص المرويّة عن الأئمة : ما يُعلم أو يُحتمل أن يكون مستنداً لهم في الحكم المجمع عليه وإلا فقد الإجماع قيمته وكان المعوّل على ما يُستفاد من تلك النصوص، وهكذا لو عُلم أو احتمل أن يكون لهم مستندٌ آخر غير النصوص الشرعية ـ كبعض الوجوه العقلية ـ فإن العبرة عندئذٍ بصواب ذلك المستند عندنا لا باتفاقهم على تماميّة الاستناد إليه.
ولا يوجد من أول الفقه إلى آخره نماذج واضحة للإجماع المستجمع للشرطين إلا في موارد قليلة جداً، وليس المقام منها، لفقد كِلا الشرطين المذكورين:
أما فقد الشرط الأول فلأن ما يوجد بأيدينا من كلمات الفقهاء ـ مما تقدّم نقله ـ لا يشتمل على شيء يُذكر من كلمات المتقدّمين وإنما هي بتمامها تقريباً للمتأخّرين الذين لا يحقّق اتفاقهم الإجماع المطلوب.
وأما دعاوى الإجماع أو عدم الخلاف المتكرّرة في المبسوط والغُنية والمسالك وكشف اللثام وغيرها فهي الأخرى لا تعبّر عن آراء القدماء، فإن إجماعات الشيخ قدس سره لا تبتني على استقصاء فتاوى الأصحاب بل على أُمور أخرى تعرّض لها جمعٌ من الأصوليين في مبحث حجيّة الإجماع ويضيق المجال عن شرحها.
والظاهر أن إجماعات السيد ابن زهرة والمحقّق والعلاّمة والشهيدين لا تبتني أيضاً على تتبّع فتاوى المتقدّمين لأنه لم يكن يتوفر لديهم من