بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢٧٦ - والجواب عنه (أولاً) بأن حجّية سيرة المتشرّعة تختص بما إذا كان المتشرّعة يمتازون عن سائر الناس بأمر، فيقال أن اختصاصهم به ليس له تفسير منطقي إلاّ تلقّيهم إياه عن المشرّع مع اختلافهم في العادات والأعراف والتقاليد
ويوجد نظير ما أفاده في كلمات غير واحدٍ من الأعلام المتأخّرين وكالسيد الأستاذ قدس سره [١] .
أقول: يمكن تقريب الاستدلال بالسيرة بوجوه:
(الأول) : إن سيرة المتشرّعة قائمة على عدم حلق اللحية، وذلك من عصر النبي ٦ والمعصومين : إلى ما يقارب عصرنا، فإنه لم يحدث الحلق إلاّ في هذه الأواخر، وأما سابقاً فلم يكن يحلق لحيته إلاّ الشواذ كالمخنّثين وأضرابهم، ومن المقرّر في محلّه من علم الأصول أن السيرة المتشرعيّة المتصلة بزمن المعصومين حجّة يمكن أن يُستكشف منها ثبوت الحكم شرعاً.
والجواب عنه: (أولاً): بأن حجّية سيرة المتشرّعة تختص بما إذا كان المتشرّعة يمتازون عن سائر الناس بأمر، فيقال أن اختصاصهم به ليس له تفسير منطقي إلاّ تلقّيهم إياه عن المشرّع مع اختلافهم في العادات والأعراف والتقاليد.
ولكن تقدّم أن إكرام اللحية وعدم حلقها كان من عادات العرب قبل الإسلام ومثلهم عدد من الشعوب الأخرى، فلا يمكن أن يُعزى استمراره في العصر الإسلامي إلى هذه الأواخر إلى صدور أمر شرعي من النبي ٦ بذلك، بل لعلّه كان استمراراً لتلك العادات والتقاليد.
و (ثانياً): إنه لو فُرض استناده إلى أوامر النبي والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم، إلاّ أنه لا سبيل إلى استكشاف أنها كانت على سبيل الوجوب دون الاستحباب، فإن السيرة جري عملي وليس له لسان يبيّن وجه وقوعه، وكم سيرة للمتشرّعة مبنيّة على ما هو مستحب شرعاً كالأذان والإقامة.
وبالجملة سيرة المتشرّعة على الالتزام بأمرٍ لا يدلّ على وجوبه
[١] مصباح الفقاهة ج١ ص٣٦١، محاضرات في الفقه الجعفري ج١ ص١٨٧.