بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢٧٧
شرعاً، بل يجتمع مع استحبابه، فأقصى ما يمكن استكشافه بالسيرة هو استحباب إعفاء اللحية، وهو أمر واضح لا حاجة إلى التمسك بالسيرة في إثباته، وأما وجوب الإعفاء فالسيرة لا تنهض بإثباته.
(الثاني) : إن سيرة المتشرّعة قائمة على عدم الحلق مع ارتكاز حرمته شرعاً، ويمكن استكشاف ثبوت الحرمة شرعاً من هذا الارتكاز، فإنه ليس له وجه منطقي سوى انتهائه إلى المعصومين :.
والجواب عنه: إن تماميّة هذا الوجه تتوقّف على إحراز أن ارتكاز الحرمة كان موجوداً في العصور السابقة منتهياً إلى عصر المعصومين : بحيث يكون مستنداً إلى ما صدر منهم من قول أو فعل أو تقرير، وأما مع احتمال كونه مستحدثاً نابعاً من فتاوى الفقهاء المتأخّرين فلا قيمة لهذا الارتكاز، وهذا الوجه لا ينهض بإثبات أن ارتكاز الحرمة كان موجوداً في أذهان المتشرّعة المعاصرين للأئمة :.
(الثالث) : ـ وهو العمدة ـ إن حلق اللحية كان سائداً في العصر الإسلامي الأول عند بعض الأمم والشعوب الأخرى كالفرس والروم وربما الأتراك وغيرهم كما مرّ في مقدمة البحث، وقد دخل في الإسلام من أبناء هذه الأمم والحضارات أعداد كبيرة، ومن المؤكد أنهم التزموا بإعفاء لحاهم كالعرب المسلمين، كما كانوا يختنون بعد دخولهم في الإسلام، ومن المستبعد جداً أن ذلك كان لمجرد مجاراة المسلمين على عاداتهم وتقاليدهم من دون أن يكون مبتنياً على لزومه في الشريعة الإسلامية، وإلاّ لبقي ولو البعض منهم على عادته في حلق اللحية، بل ولتأثّر المسلمون بهم في ذلك، كما نجد أنهم تأثّروا بأصحاب تلك الحضارات في مجالات أخرى كالطعام واللباس والترف في العيش وأمور كثيرة غير ذلك ذكرها المؤرخون [١] .
[١] لاحظ تاريخ التمدن الإسلامي ج٥ ص٩١ وما بعدها.