بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣٥٥ - وهنا اتجاهان أيضاً
وهنا اتجاهان أيضاً:
أ ـ ما ذكره بعض الأعلام قدس سره من أن الملاك الذي بملاحظته أوعد الشارع بالعقاب على المخالفة غير معلوم عندنا، إذ الملاك في ثبوت العقاب الدنيوي هو ردع المخالف عن العودة أو تأديب غيره لكي لا يرتكب المعصية، وهذا لا محلّ له في العالم الأُخروي لأنه ليس عالم تكليفٍ وعمل، فلا بدّ إذاً أن يكون ملاك العقاب الأخروي أمراً آخر، وهو ما لا نعرفه، ولذلك لا يمكن الجزم بعدم ثبوته عند المخالفة في صورة الشكّ وعدم البيان ولا قبح في ثبوته في هذه الصورة، لأن مدار حكم العقل بالقبح والحسن على تحقّق الظلم والعدل وأساسهما على فرض حقوق وحدود بين الطرفين بحيث يكون تجاوزها ظلماً وعدمه عدلاً، وهذا لا يتصوّر بين المولى الحقيقي وعبده، إذ هو ملكه ومخلوقه يتصرّف به ما يشاء حتى مع إطاعته له فضلاً عن مخالفته وإن لم تكن عن علم، وليس في ذلك قبح أصلاً إذ لا حقّ للعبد على المولى كي يكون الخروج عنه ظلماً.
ب ـ ما ذكره سيدي الأستاذ الوالد مدّ ظلّه من أن الوعيد بالعقوبة على مخالفة التكليف الإلزامي ليس على أساس قيام دليل خارجي عليه، بل هو مما يُدركه العقل بتحليل الحكم المولوي نفسه، فهو يُدرك أن وراء العنصر الشكلي للأمر والنهي ـ وهو طلب الفعل والزجر عنه ـ عنصر معنوي يشكّل روح الحكم ويشتمل عليه الإنشاء بنحو اللف والاندماج وهو الوعيد على الترك في الأمر والوعيد على الفعل في النهي، فمعنى (إفعل) هو: إن لم تفعل تُعاقب، ومعنى (لا تفعل) هو: إن فعلت تُعاقب.
والعقل كما يُدرك اندماج جعل العقوبة على المخالفة في كلّ حكم مولوي كذلك يدرك أنها ـ أي المخالفة ـ ليست تمام الموضوع لهذا الحكم الجزائي، بل موضوعه خصوص ما إذا صدرت المخالفة ممّن انكشف له التكليف بعلمٍ أو بعلمي أو أحرز أن المحتمل على درجة عالية من الأهمية على تقدير ثبوت التكليف، ومرجع أمر الشارع بالاحتياط في بعض الموارد ـ كالدماء ـ إلى الإعلام بأهمية المحتمل.