بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣٧٩ - ويمكن إقامة الدليل على هذه الدعوى من النسخ الكلي من ناحية الأخبار الواردة مثل قوله
وأما قوله ٦ : ((لو كان موسى وعيسى...)) فهو الآخر لا يدلّ على عدم استمرار شيءٍ من الأحكام الثابتة في شريعتي موسى وعيسى ٨، إذ استمرار بعض أحكام شريعتيهما لا يعني اتباع النبي ٦ لهما بل اتباعه لله سبحانه وتعالى الذي أثبت تلك الأحكام في شريعتيهما وفي الشريعة الإسلامية.
وأما ما ذكره قدس سره من السيرة فهي على تقدير تماميّتها لا تنهض بإثبات مرامه، إذ يجوز أن يكون منشؤها هو أنه لا طريق لفقهاء المسلمين إلى الاطلاع على أحكام الشرائع السابقة إلاّ من خلال ما ورد منها في القرآن المجيد والسنّة المطهّرة، فإن ما يُتداول من كتب تلكم الشرائع كالتوراة والإنجيل مما لا يمكن الاعتماد عليها كما لا يخفى، وما ورد منها في الكتاب والسنّة شيء قليل ومعظمه إن لم يكن كلّه مما ثبت في مورده بقاء الحكم أو نسخه بدليل اجتهادي فلا يوجد فيما لا نص فيه من موارد الشبهات الحكمية ما يمكن الفحص فيه عن حكمٍ ثابتٍ في شريعةٍ سابقةٍ لا يُعلم نسخه ليُستشهد بسيرة الفقهاء على عدم الفحص في ذلك على تسالمهم على النسخ الكلي.
٣ ـ قال سيدي الأُستاذ الوالد ـ مدّ ظلّه ـ حسبما استفدته من محاضراته إنّ الفرضية الأولى في كلام المحقّق النائيني (قدس سره) وإن كانت معقولة في حدّ ذاتها إلاّ أنه لا دليل عليها لتوقّفها على أمرين:
الأول: ما ذكره صاحب الكفاية قدس سره في مبحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي من أن ما يوحى إلى النبي أو يُلهم به الوصي ليس سوى المصالح والمفاسد الكامنة في الأفعال، وأما إنشاء الأحكام وفق تلك المصالح والمفاسد فيتصدّى له النبي أو الوصي نفسه.
الثاني : إن تصدّي النبي أو الوصي لإنشاء الأحكام وجعلها ليس على سبيل النيابة عن الله تعالى في ذلك، بل على أساس ما منحه الله من الولاية على التشريع، فهو المشرّع للأحكام ولكن بالولاية الممنوحة له من الله،