بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣٩٣ - ١ ـ قوله تعالى
وقد استدلّ به غير واحدٍ على حرمة سوء الظنّ بالمسلم أو بالمؤمن، ومبنى ذلك ـ كما قال الشيخ الأعظم الأنصاري قدس سره [١] ـ إنّه لو لم يكن ظن السوء إثماً فلا شيء من الظن إثم، فكأنّه هو القدر المتيقّن من الظن الذي يكون إثماً.
(أقول): لا إشكال في أن المستفاد من الآية الكريمة المذكورة بملاحظة الآية السابقة عليها الدالّة على حرمة السخريّة واللمز والتنابز بالألقاب وبملاحظة ذيلها الدالّ على حرمة التجسس والاغتياب هو أن المقصود ببعض الظنّ المعدود من الإثم هو بعض الظنّ المتعلّق بالناس، وإن كان بعض غيره من الظن إثماً أيضاً كسوء الظن بالله تعالى.
وذكر بعض المفسرين أن المقصود بكثيرٍ من الظنّ ما يعمّ الظن الذي يكون إثماً، فيكون الأمر بالاجتناب عنه أمراً احتياطياً توقّياً من الوقوع في الإثم.
واختار العلامة الطباطبائي قدس سره ـ وفاقاً لآخرين ـ أن المراد بكثير من الظن هو بعض الظن الذي هو إثم، وإنما جيء بـ (كثير) نكرة ليدلّ على كثرته في نفسه لا بالقياس إلى سائر أفراد الظن، فهو كثيرٌ في نفسه وبعضٌ من مطلق الظن [٢] .
والأقرب هو الوجه الأول فإن الأمر بالاجتناب عن كثيرٍ من الظن ثم تعليل ذلك بأن ((بعض الظن إثم)) ظاهر جداً فيما ذكر، ولو كان المقصود هو الوجه الثاني لأستغني عن قوله: ((بعض الظن)) فإن لفظة ((بعض)) لا تدلّ على القلّة بل على مطلق ما هو جزء من الكلّ وإن كان كثيراً بالقياس إلى الباقي، فلو قيل: (اجتنبوا كثيراً من الظن فإنه إثم) لكان وافياً بالمراد على هذا الوجه بلا حاجة إلى الجملة المذكورة فتدبر.
[١] فرائد الأصول ص٤١٥.
[٢] الميزان ج١٨ ص٣٢٣.