بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣٩١ - وقد اتفق الفقهاء على حرمة سوء الظن بالمؤمن في الجملة، وخصّه بعضهم بالأخبار من المؤمنين وخصّه جمع آخر بغير الأزمنة التي يغلب فيها الفساد على الصلاح، وقيل بغير ذلك من التفاصيل، وقد اختلفوا أيضاً فيما هو المحرّم في سوء الظنّ على أقوال
سره في بعض رسائله [١] ويظهر من العلامة المجلسي ارتضاؤه له [٢] .
ولعلّ الوجه فيه ما مرّ في القول الثاني من أن الظنّ نفسه ليس من الأمور القابلة لتعلّق التكليف بها فالأقرب إلى لفظه أن يُراد به عقد القلب عليه، فإنه من أفعال النفس ويخضع للاختيار.
ولكن الأوجه هو القول الأول فإنه مطابق لظاهر اللفظ ولا يوجد ما يبرّر العدول عنه، فإن ما أفيد من عدم كون الظنّ أمراً خاضعاً للاختيار ليس تاماً على إطلاقه، سواء بالنظر إلى مبادىء حصوله أو بالنظر إلى بقائه واستقراره في أفق النفس.
أما من الجانب الأول فلأن مبادىء حصول سوء الظن بالمؤمن لا تكون في الغالب إلاّ من قبيل الصفات الذميمة والخصال الرذيلة، فبمقدور الإنسان عادة أن يهذّب نفسه منها لئلاّ يبتلي بسوء الظن بأخيه المؤمن.
وأما من الجانب الثاني فلأنه يمكن مكافحة سوء الظن بعد حصوله بإلقاء الاحتمالات المعاكسة له على النفس حتى يزول عنها اعتقاد السوء.
نعم قد تتجذّر مبادىء سوء الظن بالآخرين في نفس الإنسان فلا يمكن تهذيبها منها إلاّ مع طول المجاهدة، ويتعذّر التغلّب على ما يحصل فيها من ظن السوء قبل ذلك، ولكن معظم الحالات ليست من هذا القبيل.
وبالجملة: إن سوء الظن بالمؤمن وإن كان خارجاً عن الاختيار ـ حدوثاً أو بقاءً ـ في بعض الحالات، لكن لا يقتضي ذلك إلاّ سقوط التكليف بالتجنّب عنه أو بإزالته في تلك الحالات ـ لكون التكليف مشروطاً بالقدرة ـ لا الالتزام بكون المحرّم هو ترتيب الآثار عليه أو عقد القلب على ما يظنّ.
وأما ما ذكره الشيخ الممقاني رحمه اللَّه من أن اعتقاد السوء بالمؤمن إذا لم يُبرز بقولٍ أو فعلٍ فهو معفوٌ عنه بدليل عدّ (التفكر في الوسوسة في
[١] كشف الريبة ص٣٠.
[٢] بحار الأنوار ج٧٥ ص٢٠٠.