بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣٥
ومما يؤكّد عدم وجود المخالف في هذه المسألة في الأعصار السابقة أن العلاّمة الحلّي قُدّس سره الذي التزم في مقدّمة كتابه (مختلف الشيعة) [١] بإيراد ما وصل إليه من اختلاف فقهاء الإمامية في الأحكام الشرعية ـ دون ما اتفقوا عليه ـ لم يُشر في كتاب الصيد والذبائح منه إلى اختلافهم في اشتراط كون آلة الذبح من الحديد مما يكشف عن عدم عثوره على اختلاف لهم في ذلك، مع العلم أنه كانت لديه مصادر عديدة من كتب السابقين لا توجد في هذه الأعصار كرسالة علي بن بابويه القمّي إلى ولده الصدوق وبعض كتب ابن أبي عقيل العماني والمختصر الأحمدي لابن الجُنيد الإسكافي وغيرها.
فعدم تعرّضه (قده) للخلاف في مسألة اشتراط أن تكون آلة الذبح من الحديد في حال الاختيار يدلّ على عدم عثوره على ما يُشير إليه في فتاوى السابقين مما يؤكّد دعاوى الإجماع ويزيد الباحث وثوقاً بتحقّقه بالفعل.
ومثل هذا الإجماع كافٍ وحده في حصول الاطمئنان بالحكم إذ لا يُحتمل أن يكون لاتفاق فقهائنا منشأ آخر غير تلقّي الحكم المجمع عليه من الأئمة المعصومين : ولاسيّما مع ما تقدّم من تحقّق الاتفاق تقريباً بين أهل السنّة على عدم اعتبار هذا الشرط في آلة الذبح.
مناقشات الإجماع
يمكن أن يُناقش الإجماع المذكور من عدّة وجوه:
(الوجه الأول): وهو يبتني على ما اشتهر من اتفاق فقهاء الجمهور على جواز الذبح بغير الحديد اختياراً، فيُقال بناءً عليه أنه لو كان فقهاء الإمامية متفقين على خلاف ذلك لكان هذا الحكم من منفردات الإمامية ومما امتازوا به عن سائر المسلمين، وعلى هذا التقدير كان ينبغي أن يُذكر في الكتب المخصّصة لإيراد أمثاله كـ (الأعلام) للشيخ المفيد و (الانتصار)
[١] مختلف الشيعة ج١ ص٢.