بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣٥٩ - أ ـ قال تعالى
قبل بعث الرسول، وإذا كان المراد بالرسول هو الكاشف عن الحكم الشرعي فلا بدّ من أن يكون المقصود به خصوص ما يكون في معرض الوصول إلى المكلّف وإلاّ لم يُطمئن بعدم العقاب وإن لم يصل إليه بعد الفحص عنه.
وبالجملة: المناقشة في التقريب المذكور بما أُفيد غير ناهضة، نعم يمكن المناقشة فيه بأن إرادة الكاشف عن الحكم الشرعي من لفظ الرسول غير واضح، بل يُحتمل أن يكون المراد به المنذر بالعذاب الدنيوي، ليكون مفاد الآية الكريمة أن سنّة الله تعالى قد جرت بمقتضى نهاية لطفه بعباده على عدم الاستعجال بالعقوبة الدنيوية مع مخالفتهم للأحكام المنجّزة عليهم إلاّ مع بعث من ينذرهم بالعذاب، لتكون مخالفتهم عندئذٍ مقرونة بمزيدٍ من الحجّة.
وهذا المعنى هو الأنسب بسياق الآية المباركة وما يتلوها من الآيات، قال العلامة الطباطبائي قدس سره: (ويؤيّده أنه تعالى عبّر عن هذا المبعوث بالرسول دون النبي فلم يقل حتى نبعث نبياً، والرسالة منصب خاص إلهي يستعقب الحكم الفصل في الأُمة إما بعذاب الاستئصال وإما بالتمتّع في الحياة إلى أجل مسمّى) [١] .
وعلى ذلك يكون مفاد هذه الآية الشريفة متّحداً مع مفاد عددٍ آخر من الآيات كقوله تعالى: ((وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا)) [٢] وقوله تعالى: ((وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى)) [٣] .
[١] الميزان ج١٣ ص٥٧.
[٢] سورة القصص، الآية: ٥٩.
[٣] سورة طه، الآية: ١٣٤.