بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢٥٨ - أقول يُلاحظ على ما أفاده أخيراً بأن اللعن ليس هو مجرّد البُعد عن ساحة الربّ بل البُعد المبنيّ على السخط والطرد، وقد وردت في بعض الروايات أن (لعنة الله شديدة)
إنما هو من حيث كون عمله مُثلة، وكون حرمة المثلة شاملة لما إذا أوقعها الشخص بنفسه ولا تختص بما إذا وقعت على الغير من الإنسان أو الحيوان.
ومقتضى هذا الوجه أنه إذا لم يعد حلق اللحية تمثيلاً ـ كما في عصرنا الحاضر ـ لم يستحقَّ فاعله عليه اللعنة لتغيّر الموضوع، كما هو الحال في لباس الشهرة والتشبّه في الزيّ بالجنس المخالف، فإن ما يُعدّ من لباس الشهرة في زمن إذا خرج عن كونه كذلك في زمن آخر لا يحرم لبسه، وما يُعدّ زيّاً نسائياً في زمن إذا لم يُعد كذلك في زمن آخر لا يحرم على الرجال، وهكذا الحال في سائر الموارد.
وبالجملة بقاء الحكم رهنٌ ببقاء موضوعه فلو انتفى الموضوع ـ ولو بسبب تغيّر الأعراف والتقاليد ـ ينتفي الحكم لا محالة.
(الثاني) : أن يكون مسوقاً لبيان اعتبار شرعي، وهو تنزيل حلق اللحية منزلة المثلة على سبيل الحكومة على نحو التوسعة، نظير قوله ٧ : ((الفقاع خمر)) [١] ومرجع الحكومة على نحو التوسعة إلى إثبات أحكام المنزَّل عليه للمنزَّل.
ويبتني هذا الوجه على أن لا يكون حلق اللحية مصداقاً حقيقياً للمثلة، إذاً الاعتبار والتنزيل إنما يصحّ فيما إذا كان على خلاف التكوين، وأما ما يكون موافقاً له فهو إخبار عنه لا محالة ولا يتضمّن اعتباراً وتنزيلاً.
والظاهر أن هذا الوجه الثاني هو الأقرب في مفاد الحديث، لأن حلق اللحية ليس مصداقاً عُرفياً للمثلة حتى في المجتمعات التي تكرّم اللحية وتعتني بها، كحلق الرأس في المجتمعات التي تعتني بشعر الرأس ولا يحلقونه، فإن حلقه لا يُعدّ من المثلة حقيقة، وإن عُبّر عنه بذلك ـ كما
[١] الوسائل ج١٢ ص١٦٦ ح٢.