بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٤٧٣
والجواب: إن ظاهر الرواية أن استثناء ما صُنع في أرض الحجاز عن عموم الحكم بكراهة الصلاة في الفراء إنما هو من جهة أن الفراء الحجازي كان بعيداً عن شبهة اتخاذه من الحيوان الميتة بخلاف الفراء العراقي لأن أهل العراق كانوا يرون طهارة جلد الميتة بالدبغ، ويشير إلى ذلك جملة من الروايات:
(منها): رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله ٧ عن الصلاة في الفراء قال: كان علي بن الحسين ٧ رجلاً صرداً فلا تُدفئه فراء الحجاز لأن دباغتها بالقرظ فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلهم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي تحته فكان يُسأل عن ذلك فيقول: ((إن أهل العراق يستحلّون لباس جلود الميتة ويزعمون أن دباغه ذكاته)) [١] .
و(منها): رواية عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله ٧ يقول: ((أهديت لأبي جُبّة فرو من العراق فكان إذا أراد أن يصلّي نزعها فطرحها)) [٢] .
وبذلك يظهر أنه لا محيص من حمل الكراهة في صحيحة الحلبي على ضرب من التنزيه الذي يقتضيه الاحتياط إذ لا إشكال بينهم في جواز الصلاة في كلّ ما صُنع في أرض الإسلام ما لم يُعلم بكونه مأخوذاً من الميتة.
هذا مضافاً إلى ما في دعوى ظهور الكراهة في الروايات في المبغوضيّة المساوقة للمنع والتحريم فإن التحقيق كونها أعم من ذلك وإنما يتعيّن المراد بها بمقتضى القرائن والمناسبات.
وكيف كان فالاستدلال بإطلاق الصحيحة ـ بعد استظهار التنزيه من لفظ الكراهة الوارد فيها ـ على جواز الصلاة في كلّ مشكوك التذكية أولى
[١] الوسائل ج٣ ص٣٣٨ ح٢.
[٢] الوسائل ج٣ ص٣١١ ح٥.